اغتيال لاريجاني وتصاعد عمليات الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران

تقدير موقف:
الثلاثاء 17 مارس 2026 — اليوم الثامن عشر من العمليات
أولاً: عمليات الاغتيال ليلة 16–17 مارس
شهد بداية اليوم الثامن عشر من العمليات تحولاً إستراتيجياً في الحرب بعد إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في غارة جوية على طهران، فيما يعد أعلى مستوى من الاغتيالات ضد القيادات الإيرانية منذ اغتيال المرشد السابق علي خامنئي.
لاريجاني يعد العقل الاستراتيجي للنظام الإيراني في إدارة الحرب والتنسيق بين الأجهزة السيادية والعسكرية، وقد قدم صورة واقعية الصمود متقدماً صفوف الدعم الشعبي بلا تراجع رغم كل التهديدات، مما منح وفاته دلالة معنوية كبيرة على مسار الصراع وإغلاقاً تاماً على المدى القريب لأي مسارات تفاوضية مع إسرائيل، لتبقى الخيارات بين الاستسلام الكامل أو الانهيار التام للنظام تتصاعد من وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية.
كذلك تم اغتيال غلام رضا سليماني، قائد الباسيج، ما يعد ضربة قوية للسيطرة الداخلية، لكنه أقل تأثيراً على المدى البعيد، إذ أن الباسيج، بقدرته التنظيمية وتراتبية القيادة به تمكن النظام من إعادة السيطرة على القوات سريعاً.
ثانياً: تداعيات الاغتيالات على النظام الإيراني
رغم الضربات النوعية، يواصل النظام الإيراني الصمود في مواجهة الضغط العسكري الشامل.
الحرس الثوري يتكوّن من 32 فيلقاً عملياتياً مستقلاً يمتد عبر أراضي البلاد، مزوداً بمخازن ضخمة من الصواريخ والمسيرات، وهو ما يوفّر قدرة على الاستمرار في العمليات حتى في ظل فقدان القيادات العليا.
الباسيج، بقدرته التعبوية ووجود مئات الألاف من الاحتياط الشعبي، يمثل عنصر قوة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي للدولة.
هذه البنية تشكل ما يمكن تسميته نظام دفاع فسيفسائي يقوم على توزيع السلطة العسكرية والاستخبارية داخل مؤسسات متعددة قابلة على العمل بشكل مستقل دون الاعتماد الكلي على قيادة مركزية.
ثالثاً: مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود
بناء على المعطيات الميدانية والجيوسياسية المتوافرة حتى اليوم الثامن عشر من العمليات، يمكن وضع تقدير زمني استراتيجي لمدى قدرة النظام الإيراني على الصمود، مع تحليل المسببات
الجدول الزمني التقديري للصمود: عدة أشهر إلى سنة
هذا التقدير لا يعني سقوط الدولة بالضرورة، بل يعني الوصول إلى نقطة “العجز عن إدارة حرب نظامية واسعة” والانتقال إلى مرحلة “الحرب الغير متماثلة اللامركزية”
(1) عوامل الصمود:
(أ) المخزون الصاروخي والمسيرات:
تمتلك إيران ترسانة ضخمة من مخزون الصواريخ الباليستية والمسيرات موزعة في مدن تحت الأرض، ترسانة الصواريخ هذه صممت للعمل بشكل مستقل وبقدر كبير من الحماية الذاتية لا تمتلكها منصات الإطلاق التقليدية، مما يسمح لها بالاستمرار في توجيه ضربات استنزافية لمدد طويلة.
(ب) الجغرافيا الايرانية:
المساحة الشاسعة لإيران (أكثر من 1.6 مليون كم²) والطبيعة الجبلية الوعرة تجعل أي تفكير في “حسم بري سريع” مستحيلاً، وتجبر المهاجم على الاكتفاء بالحرب الجوية التي لا تسقط الأنظمة وحدها.
(ج) عقيدة “القتال الفسيفسائي”:
تعتمد هذه الاستراتيجية على تحويل الدولة إلى “مناطق دفاعية” مستقلة إدارياً وعسكرياً، وهي مُصممة خصيصاً لمواجهة سيناريو “قطع رأس النظام” أو انقطاع سلاسل القيادة والسيطرة نتيجة الاغتيالات المتتالية للقيادات العليا.
الهدف الاستراتيجي: منع حدوث حالة “الفراغ السيادي” في الأقاليم والمحافظات في حال شُلت قدرة القيادة على السيطرة في المركز (طهران) أو غيبت الصفوف القيادية الأولى.
الآلية الميدانية: يتم منح قادة الحرس الثوري في كل محافظة صلاحيات “المفوض” لإدارة الموارد العسكرية والاقتصادية واللوجستية بشكل منفصل تماماً عن العاصمة.
هذا يعني أن سقوط “رأس النظام” أو تدمير مراكز الاتصال الاستراتيجية لن يؤدي إلى انهيار الدفاعات في الأطراف، بل ستتحول كل محافظة إلى “دولة مصغرة” قادرة على الاستمرار في القتال وتوجيه الضربات بشكل لامركزي، مما يجعل مهمة المهاجم في إعلان “النصر الكامل” من الناحية العسكرية غير قابل للتحقيق.
النتيجة الاستنتاجية:
إيران قادرة عسكرياً على الصمود كـ “قوة إستنزاف” لمدة قد تصل إلى عام كامل، لكنها كـ “نظام مركزي حاكم” قد يواجه مرحلة شديدة التحديات على المدى القريب اذا استمرت الخسائر المتوالية في القيادات.
وذلك لأن الفجوة بين التكنولوجيا الأمريكية-الإسرائيلية وطاقة الضربات الجوية المتوالية وبين القدرة الإيرانية على الترميم الميداني واستمرار الردع تتسع يومياً.
السيناريوهات المستقبلية المتوقعة على المدى القريب:
تظل احتمالية وقوع حدث مفاجئ يقلب كل التوقعات وارداً في التحليل الاستراتيجي، سواء ما يُعرف بـ “البجعة السوداء” كما في الفكر الاستراتيجي الغربي، أو ما هو ضمن “الذيل الأسود” أو “مخاطر الذيل” في الحسابات العسكرية، حيث تذكر هذه المفاهيم بأن الحرب بطبيعتها قد تنتج تحولات تتجاوز النماذج والتقديرات التقليدية.
السيناريو الأول: استمرار الصمود مع “الاقتصاد في القوة” من الجانب الإيراني
الاحتمالية: عالية جداً
هذا السيناريو هو الأكثر توافقاً مع ما يجري فعلياً على الأرض، فمنذ بداية الحرب سجل الجيش الإيراني ما يزيد على 245 موجة هجومية ضد إسرائيل، مع تراجع تدريجي في الوتيرة من 55 موجة يومياً في المرحلة الأولى إلى نحو 10 موجات يومياً في الوقت الراهن، مما يعكس استراتيجية الاقتصاد في القوة وإدارة طويلة الأمد للصراع.
السيناريو الثاني: توسع جبهات القتال الإقليمية
الاحتمالية: متوسطة إلى عالية
تصاعد الأشتباكات في المشهد الإقليمي هو واقعاً متصاعد بالفعل، فإيران شنت ضربات مباشرة طالت البحرين والكويت وعُمان والسعودية وقطر والإمارات وأذربيجان وإقليم كردستان، فضلاً عن قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص، وأغلقت مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية.
أما جبهة لبنان فقد دخلت الحرب بالفعل، حزب الله فتح جبهته الشمالية بصورة منهجية، مما يُثقل كاهل إسرائيل بحرب على محورين متزامنين ويعيد رسم خريطة الضغط الميداني ووحدة ساحات محور المقاومة.
وتبقى جبهة الحوثيين كامنة تكتيكياً، وقدرتها على استهداف الملاحة في البحر الأحمر وضرب العمق السعودي والإسرائيلي جاهزة للتفعيل في أي لحظة.
دخول حركة انصار الله الفعلي سيحول المشهد من حرب إقليمية إلى أزمة عالمية خانقة تمس شرايين الاقتصاد العالمي.
السيناريو الثالث: فتح قنوات تفاوضية
الاحتمالية: منخفضة على المدى القريب
المحاولات الدبلوماسية الدولية الخلفية قائمة، لكنها تتعثر في كل مرة أمام عمليات الاغتيالات المتلاحقة للقيادات العليا الإيرانية، فكلما ظهرت بوادر للاقتراب من طاولة المفاوضات بين الطرفين الأمريكي والإيراني، أزالت إسرائيل المفكرين أو الجالسين المحتملين عليها من الجانب الإيراني بعمليات الاغتيال.
السيناريو الرابع: العمليات البرية المحدودة
الاحتمالية: منخفضة
قد يشهد مسرح العمليات تدخلات برية محدودة للغاية تستهدف مناطق استراتيجية، وتُستخدم فيها وحدات خاصة مدعومة بالإسناد الجوي للحد من القدرات الدفاعية الإيرانية أو تحقيق صورة نصر أمريكية ولو غير مكتملة.
وقد يتسع هذا السيناريو ليشمل تشجيع وتوظيف حركات انفصالية في مناطق الأطراف كالأهواز أو كردستان لفتح جبهات ضغط داخلية موازية، أو تنفيذ إنزال بري محدود على جزر استراتيجية مثل جزيرة خرج بهدف التأثير على البنية الاقتصادية وممرات الطاقة، وهو ما تم طرحه في بعض التصريحات من جانب الإدارة الأمريكية، إلا أن تعقيد الجغرافيا الإيرانية وارتفاع تكلفة الاحتكاك المباشر يجعلان هذا السيناريو منخفض.
السيناريو الخامس: خيار التصعيد النووي التكتيكي
الإحتمالية: منخفضة جداً لكن داخل التقديرات العسكرية
يطرح هذا السيناريو إحتمالية إستخدام القنابل النووية التكتيكية لدى إسرائيل ضد أهداف إستراتيجية إيرانية بهدف إستسلام النظام الإيراني وإسقاطه في ظل الخيارات الصفرية للحرب وتصاعد التوجهات العقائدية المحركة لمتخذي القرار الأمريكي ــ الإسرائيلي، غير أن أي خيار نووي سيحول الحرب فوراً إلى حرب إبادة على جميع الجبهات.
الضغط المتصاعد من الجانبين حتى اللحظة يجعل هذا الاحتمال حاضراً في غرف الحرب الغربية كتوجه يجب رصده.
الخلاصة:
يشكل اغتيال علي لاريجاني أخطر ضربة للنظام الإيراني بعد اغتيال المرشد السابق، كونه العقل الإستراتيجي ومحور التنسيق بين الأجهزة السيادية، وبما يحمله من ثقل معنوي وتنظيمي في إدارة الدولة الإيرانية للحرب.
في المقابل، يبقى اغتيال قائد الباسيج ضربة مؤثرة لكنها قابلة للاحتواء بفضل الهيكل الدفاعي الفسيفسائي والبنية اللامركزية التي تتيح استبدال القيادات واستمرار قدرة السيطرة على الجبهة الداخلية.
ومع المحاولات الإسرائيلية المستمرة لإغلاق مسار التفاوض وتصاعد الضغط العسكري، تظل قدرة إيران على الصمود ممتدة لعدة أشهر على الأقل، ما ينذر بمرحلة قادمة من الحرب أكثر حدة وتعقيداً، ويضع القيادة الجديدة مجتبى خامنئي أمام اختبار حاسم للحفاظ على تماسك الدولة رغم استمرار الخسائر في القيادات العليا الإيرانية.
الثلاثاء 17 مارس 2026
ميدان ــ وحدة الأبحاث والدراسات