مدونة ميدان 26 ديسمبر 2025

الصفقة المخزية

الصفقة المخزية

بينما لا تزال جثث الأطفال تُنتشل من تحت الأنقاض في غزة، وبينما كان دم أكثر من 70 ألف شهيد لم يجف بعد على أرض فلسطين، وبينما كانت صرخات الأمهات الثكالى تملأ سماء القطاع المحاصر، كان بنيامين نتنياهو – المطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية – يُوقِّع بعد تمنع وضغوط على أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل بقيمة 35 مليار دولار مع مصر!

في 18 ديسمبر 2025، أعلن نتنياهو بكل فخر عن المصادقة على هذه الصفقة، واصفاً إياها بأنها تعزز مكانة إسرائيل “كقوة إقليمية عظمى في مجال الطاقة”. لم يذكر المجرم في بيانه المتعجرف أن هذه “القوة” بُنيت على أنقاض مئات الآلاف من المنازل المدمرة، ولا أن هذا “الإنجاز” تزامن مع إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة أمام أعين العالم أجمع.

70,669 شهيداً حتى اللحظة، منهم 17,581 طفلاً و12,048 امرأة 171,165 مصاباً معظمهم معاقون مدى الحياة، 11 ألف مفقود تحت الأنقاض،% 90 من البنية التحتية مدمرة تماماً، 36 طفلاً ماتوا جوعاً بسبب المجاعة المتعمدة. هذه ليست أرقاماً مجردة، بل هي أرواح بشرية، أحلام محطمة، عائلات مُحيت من السجل المدني، ذاكرة جماعية تُباد.

وفي خضم هذا الكابوس الإنساني، تُبرم مصر – التي طالما تغنت بدورها التاريخي كحامية للقضية الفلسطينية – اتفاقية طاقة استراتيجية مع نظام القتلة، اتفاقية تمتد لـ 15 عاماً كاملة، اتفاقية تربط أمن الطاقة المصري بالكيان الذي يُبيد شعباً بأكمله على بُعد كيلومترات معدودة من الحدود المصرية!

هذا ليس مجرد عقد تجاري. هذه صفقة خيانة تاريخية – ليست لقضية فلسطين فقط بل للأمن القومي المصري كذلك- هذا تطبيع العار بامتياز. هذه تجارة بالدم على أنقاض غزة. ومن حق كل مصري حر، ومن حق كل عربي شريف، ومن حق كل إنسان يحمل ذرة من ضمير أن يصرخ بأعلى صوته: لا لهذه الصفقة المخزية!

التوقيت المُريب: عندما يُصبح الموت فرصة تجارية

لنضع الأمور في سياقها الزمني الفاضح. في نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم موثقة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. التهم لا تحتاج إلى تفصيل: قتل متعمد للمدنيين، تدمير ممنهج للبنية التحتية، تجويع متعمد لأكثر من مليوني فلسطيني، منع المساعدات الإنسانية، استهداف المستشفيات والمدارس ودور العبادة.

بعد شهر واحد فقط من صدور مذكرات الاعتقال، يُوقع نفس الشخص المطلوب للعدالة الدولية على صفقة بـ 35 مليار دولار مع أكبر دولة عربية! التوقيت ليس مصادفة، بل هو رسالة سياسية واضحة: إسرائيل تُمارس الإبادة وتُكافأ بأكبر صفقات الطاقة، والعالم العربي – أو على الأقل بعض أنظمته – مستعد للتطبيع الاقتصادي حتى لو كان ذلك على جثث الأطفال.

لنراجع الأرقام الصادمة التي ترافقت مع هذه الصفقة:

حسب دراسة نشرتها مجلة The Lancet الطبية الدولية، فإن العدد الحقيقي لضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة حتى منتصف 2024 قد بلغ 64,260 شهيداً، بزيادة 41% عن الأرقام الرسمية المعلنة، وذلك بسبب انهيار النظام الصحي وعدم إحصاء الضحايا تحت الأنقاض. الدراسة أكدت أن 59.1% من هؤلاء كانوا من النساء والأطفال والمسنين.

ومع استمرار العدوان، وصل عدد الشهداء حتى ديسمبر 2025 إلى أكثر من 70 ألف فلسطيني، في واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ الحديث. منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت ما يحدث بأنه “إبادة جماعية” واضحة، ولجنة تحقيق الأمم المتحدة أكدت أن الأدلة تشير بوضوح إلى جرائم ضد الإنسانية.

في هذا السياق المُروع، تأتي الصفقة كـطعنة في ظهر فلسطين، كتأكيد على أن السياسة والاقتصاد يمكن أن يتجاوزا الدم والأخلاق والضمير الإنساني.

نخون القضية وامننا القومي وندفع الثمن

في عام 2019 تم توقيع الاتفاقية الأولي لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر بهدف تزويد مصر بالغاز الإسرائيلي للاستفادة منه في السوق المحلية أو إعادة تصديره بعد تسييله، وذلك علي الرغم من الاكتشافات الغاز الكبيرة في شرق المتوسط، ومن الملاحظ ان هذه الاتفاقية لم تلقي نفس المعارضة الصارخة التي واجهت الاتفاقية الجديدة ويؤكد ذلك بوضوح استفاقة الضمير الجمعي المصري والعالمي بعد الطوفان.

ومن الجدير بالذكر أن مصر تعد المنفذ الحيوي والوحيد لإسرائيل لتصدير غازها الطبيعي إلى الخارج، إذ لا تمتلك إسرائيل بنية تحتية كافية لتسييل الغاز أو تصديره مباشرة إلى الأسواق العالمية. لذلك، يمثل التعاون مع مصر، التي تمتلك محطتي تسييل في إدكو ودمياط، طوق نجاة للاقتصاد الإسرائيلي في قطاع الطاقة. فبدون مصر، يبقى الغاز الإسرائيلي محصورًا داخل السوق المحلية محدودة الاستهلاك، مما يحدّ من قدرته على تحقيق الأرباح أو تعزيز مكانة إسرائيل كمصدر إقليمي للطاقة، ويعني ذلك بوضوح ان النظام المصري وللمرة الثانية يعطي قبلة الحياة للاقتصاد الإسرائيلي الذي يواجه ضغوطا متصاعدة بعد الطوفان المجيد.

دعونا نفحص تفاصيل هذه الصفقة الملوثة بالدماء:

تمنع نتنياهو كثيرا في التوقيع على الصفقة التي أبرمت تحت الحاح وضغوط أمريكية، ثم احتفاء من الخارجية الأمريكية وتهنئة لشركة شيفرون الذي يمتلك الرئيس الأمريكي وعائلته نسبة من أسهمهاـ وبصفة عامة فان القيمة الإجمالية 35 مليار دولار (112 مليار شيكل إسرائيلي). المدة: حتى عام 2040 أي 15 عاماً من الارتباط الاستراتيجي مع دولة محتلة تُمارس الإبادة. الكمية 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل ليفياثان الإسرائيلي. العائد لإسرائيل 16 مليار دولار تدخل مباشرة إلى خزينة الدولة لدعم آلة القتل والابادة.

لكن الأخطر من الأرقام هو الشروط المذلة التي فرضتها إسرائيل:

  1. أولاً: لم يعلن حتى الآن هل الأسعار ثابتة طيلة فترة التعاقد أم لا، وأغلب الظن أنه متغير، الأمر الذي يعني أن الاحتفاء بالسعر المعلن واهيا، وفي كل الأحوال أصبح المصريون داعمين للاقتصاد للإسرائيلي! وهو أمر مذل ومهين لكل مواطن مصري وعربي بل ولكل انسان صاحب ضمير.
  2. ثانياً، كل خطوة في تنفيذ الاتفاق تحتاج موافقة نتنياهو الشخصية. نعم، القاتل المطلوب للعدالة الدولية يتحكم في تدفق الغاز إلى مصر حسب مزاجه السياسي! وقد ثبت هذا فعلياً عندما جمّدت إسرائيل الامدادات من الصفقة السابقة أكثر من مرة كورقة ضغط سياسية على القاهرة.
  3. ثالثاً، البنود الأمنية السرية. نتنياهو أكد في تصريحاته أن الاتفاقية تحمي “مصالح إسرائيل الأمنية والحيوية بالكامل”، لكنه رفض الكشف عن التفاصيل “لاعتبارات أمنية وحساسيتها”. ماذا تعني هذه العبارة الغامضة؟ ما الذي أُخفي عن الشعب المصري في هذه الصفقة؟
  4. رابعاً، الشريك الأمريكي. شركة شيفرون الأمريكية تملك 40% من حقل ليفياثان، مما يعني أن واشنطن طرف أساسي في الصفقة. وقد ضغطت الإدارة الأمريكية على نتنياهو لتوقيع الاتفاق بسرعة قبل لقائه مع ترامب، لتعزيز هيمنتها على سوق الغاز عالمياً وقطع الطريق أمام أي عودة للإمدادات الروسية أو الفنزويلية.

هذه ليست صفقة، هذا عقد تبعية استراتيجية. هذا رهن للسيادة المصرية لصالح الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية.

شراكة مع المجرمين: انتهاك صارخ للقانون الدولي

السؤال القانوني والأخلاقي الصارخ: كيف يمكن لدولة عربية أن تُبرم شراكة استراتيجية مع نظام صدرت بحق قياداته مذكرات اعتقال دولية بتهم جرائم حرب؟

المحكمة الجنائية الدولية ليست منظمة سياسية، بل هي أعلى سلطة قضائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب. المذكرات صدرت بعد تحقيقات دقيقة وأدلة دامغة. التهم واضحة:

  • القتل المتعمد للمدنيين
  • التدمير الممنهج للبنية التحتية المدنية
  • التجويع كسلاح حرب (جريمة ضد الإنسانية)
  • منع المساعدات الإنسانية والطبية
  • استهداف المستشفيات والمدارس
  • النقل القسري للسكان
  • الإبادة الجماعية (حسب تقارير أممية)

مصر، بتوقيعها هذه الصفقة، تُرسل رسالة واضحة: القانون الدولي لا يعنينا، مذكرات الاعتقال لا تهمنا، المصلحة الاقتصادية-إن وجدت- تتفوق على الضمير الإنساني.

لنتذكر الحقائق الموثقة% 96 من سكان غزة (2.1 مليون إنسان) يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، 495 ألف شخص يواجهون مجاعة كارثية (المرحلة الخامسة) ،36 طفلاً استشهدوا بسبب الجوع وسوء التغذية، 60 ألف امرأة حامل معرضة للخطر بسبب انهيار النظام الصحي.

إسرائيل حرمت سكان غزة من الماء اللازم للبقاء على قيد الحياة لعدة أشهر، بقطع الكهرباء وتدمير محطات التحلية ومنع إصلاح البنية التحتية. متوسط ما يحصل عليه الفلسطيني من ماء أقل من 5 لترات يومياً، وهو ثلث الحد الأدنى لمعايير منظمة الصحة العالمية.

هذه ليست حرب، هذه إبادة ممنهجة. وإبرام صفقات اقتصادية مع من يرتكب هذه الجرائم هو تواطؤ قانوني وأخلاقي لا يُغتفر.

الخدعة الاقتصادية: وهم المصلحة الوطنية

التبرير الرسمي المصري للصفقة: “ضرورة اقتصادية” و”سد العجز في الطاقة”. لكن هذا التبرير كذبة كبرى تُخفي حقائق مُرة.

مصر تعاني فعلاً من عجز في الغاز 60 مليار متر مكعب استهلاك مقابل 47.5 مليار متر مكعب إنتاج محلي، لكن السبب ليس قلة الموارد، بل سوء الإدارة والفساد والإهمال. مصر كانت مُصدِّرة للغاز حتى وقت قريب من حقول ظهر وإدكو ودمياط، لكن سوء التخطيط والاستهلاك المفرط دون تطوير الحقول حوّلها إلى مستورد.

والأخطر: مصر أصبحت ثاني أكبر مستورد للغاز في العالم عام 2025! هذا ليس إنجازاً، بل فضيحة تخطيطية، يتحملها النظام ويجب ان يخجل منها بدلا من حديثه المخجل عن المصلحة والضرورة الحتمية التي نتجت عن أخطاءه التي يلبسها بنذالته المعهودة للشعب المكلوم.

البدائل المتاحة كثيرة

قطر أكبر مُصدِّر للغاز المسال عالمياً)، السعودية، الجزائر، قبرص) التي زارها وزيرا الخارجية والبترول المصريان مباشرة بعد تجميد إسرائيل للصفقة سابقاً. كل هذه الدول عربية أو صديقة، ولا تستخدم الغاز كـورقة ابتزاز سياسي.

لكن ما يحدث هو عقد استعباد طاقوي متعمد. ربط أمن الطاقة المصري بإسرائيل لـ 15 عاماً يعني تحويل مصر إلى رهينة لدى الكيان الصهيوني. كلما أرادت القاهرة اتخاذ موقف مستقل، كلما دعمت القضية الفلسطينية بشكل فعلي، يمكن لنتنياهو أن يُغلق صنبور الغاز ويُشل الاقتصاد المصري.

هذا ما حدث فعلاً عندما جمّدت إسرائيل الصفقة في سبتمبر 2025، وربطت مصادر إسرائيلية التجميد بـموقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين من غزة، الرسالة واضحة: إما تنصاعون سياسياً، أو نقطع عنكم الطاقة.

من يقبل بهذا يقبل بـرهن السيادة الوطنية، ومن يُسمي هذا “مصلحة اقتصادية” فهو متنطع كذاب.

الشارع العربي يرفض.. والأنظمة تُصادر الإرادة

عندما أعلن نتنياهو عن الصفقة، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي غضباً. الهاشتاغات المعارضة تصدرت التريند. المصريون والعرب عبّروا عن سخطهم الشديد. الجميع يسأل: كيف توقعون صفقات مع من يُبيد غزة؟

لكن الرد الرسمي المصري كان صمتاً مُريباً لأكثر من 24 ساعة، ثم تصريح مُقتضب من الهيئة العامة للاستعلامات: “الاتفاق صفقة تجارية بحتة لا تنطوي على أي أبعاد سياسية”!

أي سخرية هذه؟ نتنياهو نفسه قال إن الصفقة “تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية”! وزير الطاقة الإسرائيلي وصفها بأنها “تُرسخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية يعتمد عليها جيرانها ويحتاجون إليها”! دبلوماسيون إسرائيليون قالوا إنها “دعامة للاستقرار الاقتصادي” و”تعزز التعاون الأمني في سيناء”!

كل الأطراف الإسرائيلية تؤكد البُعد السياسي والأمني، والطرف المصري يقول “تجارية بحتة”! من يكذب هنا؟

الأسوأ: غياب أي نقاش برلماني علني حول الصفقة. أين مجلس النواب المصري ؟ ولماذا لم تؤجل قليلا حتى انعقاده، (حتى اخراج الصورة عبر مجلس نواب ولد مشوها عبر تنسيقيات أجهزة سيادية مفضوحة لا تتحمله السلطة).

أين النقاش الشعبي؟ لماذا السرية التامة حول البنود الأمنية؟ لماذا لم تُعرض تفاصيل الاتفاق على الشعب الذي سيدفع ثمنها من جيبه ومن سيادته؟

هذه خيانة رسمية لإرادة الشعوب، % 60 من سكان غزة فقدوا أفراداً من عائلاتهم، والعالم العربي بأسره يتابع المجزرة بقلوب مفطورة، والنظام يُوقع صفقات مليارية مع القتلة! الأمر يتخطى فكرة التطبيع وخيانة القضية الفلسطينية إلى خيانة للأمن القومي بكل أبعاده.

لا صفقة مع القتلة.. لا تطبيع على جثث الأطفال

يقولون أن مصر ستستفيد من الغاز رغم البدائل ومن السعر المنخفض وهو المشكوك فيه، ولكنها من المؤكد أن الصفقة لن تمحو دماء 70 ألف شهيد لن تُبرر التواطؤ في جريمة العصر. لن تُعيد للأنظمة شرفها المُباع. لن تُنسي العالم صور الأطفال تحت الأنقاض، وصراخ الأمهات، ومجازر المستشفيات، وجثث الجوعى في الشوارع.

التاريخ لن يرحم من وقّع هذه الصفقة المخزية. الأجيال القادمة ستسأل: أين كنتم عندما كانت غزة تُباد؟ كيف وقّعتم عقود الطاقة مع من يُمارس الإبادة؟ كيف قبلتم أن يُصبح أمن طاقتكم رهينة لدى القتلة؟

غزة ليست للبيع، القضية الفلسطينية ليست سلعة تجارية، الدم الفلسطيني ليس حبراً لتوقيع عقود الغاز، تجارة الدماء محرمة، الأمن القومي المصري ليس ملكا لنظام حتما سيزول، وعموما كل من شارك فيها سيحمل وزر الخيانة أمام التاريخ وأمام الله وأمام الشعوب.

وسيبقى السؤال مُعلقاً في ضمير كل من صمت أو شارك: ماذا ستقولون عندما يسألكم أطفال غزة الشهداء بل وأطفالكم: أين كنتم؟