عيد العمال .. كيف تغيرت علاقة الدولة بالعمال؟

بقلم الأستاذ رضا فهمي
رئيس المكتب السياسي لحركة ميدان
لعقود طويلة، حرصت السلطة في مصر على كسب رضا العمال، أو على الأقل تجنّب سخطهم. لم يكن ذلك ترفًا سياسيًا، بل إدراكًا لثقل هذه الشريحة وتأثيرها. ولهذا ارتبط عيد العمال في الذاكرة المصرية بإعلانات سنوية عن حوافز استثنائية تتجاوز ما تنص عليه قوانين العمل، وهو تقليد استمر حتى الثلث الأول من عهد مبارك. وفي هذا السياق، لعبت وزارة القوى العاملة دورًا مزدوجًا: ظهيرًا للسلطة من جهة، وصمّام أمان يمتص غضب العمال من جهة أخرى، بينما ظل القطاع العام الحاضنة الأساسية لهذه الشريحة.
غير أن هذه العلاقة لم تكن مستقرة تمامًا. فقد شهدت فترات من الشد والجذب، كان أبرزها احتجاجات عمال غزل المحلة، التي كشفت حدود المقاربة الأمنية عندما تتجاوز حساباتها. ومع تزامن هذه الأحداث مع سياق سياسي أوسع اتسم بتراجع الثقة وتزايد الاحتقان خصوصًا مع ما شاب الانتخابات في 2010 من مخالفات واسعة تكوّن مناخ عام مهّد لتحولات كبرى، كانت ثورة يناير 2011 أبرز تجلياتها.
حتى تلك المرحلة، بدت الدولة أكثر حساسية في التعامل مع الأزمات العمالية؛ إذ سعت إلى تحقيق توازن بين الاحتواء النقابي الذي يمتص الصدمات، والتدخل الأمني المحسوب الذي يمنع الانفجار. غير أن هذا التوازن اختلّ في السنوات الأخيرة، حيث مالت المقاربة إلى تغليب الحلول الأمنية على حساب المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما قد ينجح في تهدئة الأوضاع مؤقتًا، لكنه يترك جذور الأزمة قائمة.
ولفهم عمق هذه الإشكالية، لا بد من التوقف عند طبيعة العامل نفسه. فالعامل لا ينظر إلى الأرقام المجردة بقدر ما يختبر أثرها المباشر في حياته اليومية: أسعار الغذاء، كلفة المواصلات، وإيجار المسكن. لذلك فإن معادلته بسيطة وواضحة، جهد يُبذل، في مقابل دخل يكفي. وحين يختل هذا التوازن حين يعمل أكثر بينما تتآكل قيمة دخله فإن الشعور بالظلم لا يحتاج إلى تفسير نظري.
من هنا، لا تنفجر الأزمات العمالية عادةً بشكل مفاجئ، بل تتشكل تدريجيًا. تبدأ في قطاعات بعينها كالمقاولات أو الصناعات الخفيفة بتسريحات للعمال أو تراجع في الحوافز، ثم سرعان ما ينعكس ذلك على القدرة الشرائية للعامل. ومع تزايد الضغوط، يتشكل شعور عام بأن الأوضاع لم تعد عادلة، وأن الجهد المبذول لا يقابله عائد مناسب.
وقد شهد العقد الأخير تكرارًا لهذه الصورة بأشكال مختلفة؛ من تصفية بعض الكيانات الصناعية الكبرى وما أثارته من مخاوف بشأن مصير آلاف العمال، إلى احتجاجات في قطاعات رابحة اعتراضًا على الحوافز وتوزيع العوائد. ولم تكن المشكلة في كل حالة على حدة، بقدر ما كانت في شعور متكرر بأن نصيب العامل لا يعكس ما يُنتج
لهذا، فإن التعامل مع الملف العمالي لا ينبغي أن يبدأ عند لحظة الأزمة، بل قبلها بكثير. فالقضية لا تقتصر على زيادة الأجور، رغم أهميتها، بل تمتد إلى حماية “الدخل الحقيقي” من التآكل. ويتطلب ذلك ربط الأجور ولو جزئيًا بمعدلات التضخم والإنتاجية، وتفعيل آليات تعويض تلقائي مع ارتفاع الأسعار، إلى جانب توجيه الدعم بشكل أكثر دقة نحو الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي موازاة ذلك، تظل العمالة غير الرسمية أحد أبرز مواطن الهشاشة في سوق العمل. فهذه الفئة، التي تعمل خارج الأطر القانونية المنظمة، تفتقر إلى أبسط أشكال الحماية، لا عقود واضحة، ولا تأمين صحي أو اجتماعي، ولا ضمانات فعالة في حال النزاع. وفي أوقات الأزمات، تكون هي الأكثر تضررًا، والأسرع في نقل أثر الأزمة إلى المجال العام.
غير أن ما قد يكون أكثر أهمية من كل ما سبق هو بناء آليات فعالة لرصد المؤشرات المبكرة للأزمات. فالأزمات العمالية لا تنشأ فجأة، بل تسبقها دائمًا إشارات واضحة: تأخر الأجور، تزايد الشكاوى، أو تراجع الاستقرار الوظيفي في قطاعات معينة. ومن ثم، فإن وجود قنوات تواصل حقيقية، ولجان عمالية فاعلة، وآليات سريعة لفض النزاعات، يمكن أن يسهم في احتواء الأزمات قبل تفاقمها.
في النهاية، لا يتحقق استقرار سوق العمل بمجرد توفير فرص عمل، بل بقدرة هذه الفرص على تأمين حياة مستقرة لمن يشغلها. فالعامل لا يبحث عن امتيازات استثنائية بقدر ما يسعى إلى حد أدنى من الأمان، أن يكفيه دخله، وأن يشعر بأن جهده له مقابل عادل.