مدونة ميدان 17 مايو 2026

الطائرات المصرية المقاتلة في الإمارات.. موقف مصر أم موقف نظام السيسي؟

“تقدير موقف” 

نتحدث بهدوء لأن الأمر جلل، فهذا التقدير ليست صرخة غضب بلا منطق، بل هي محاولة متأنية لقراءة حدث بالغ الخطورة.

حين تظهر مقاتلات الرافال ترفع علامة سلاح الجو المصري على أراضي الإمارات، في خضم حرب إقليمية مشتعلة، فإن المسؤولية الوطنية تستوجب التوقف والتساؤل وإثبات الموقف أمام ضمائرنا والشعب وللتاريخ.

نحن أمام قرار يمس جوهر الأمن القومي المصري والعقيدة العسكرية للجيش، ويستحق نقاشاً وطنياً حقيقياً، لا أن يمر خلف الصور الرسمية والمجاملات السياسية بينما الشعب تم تعمد ابعاده عن فهم حقيقة ما يجري وتأثيراته شديدة الخطورة.

أولاً: مفرزة مقاتلات في منطقة حرب .. والشعب لا يعلم

في 7 مايو 2026 تم الكشف عن تمركز مقاتلات مصرية على الأراضي الإماراتية، بالتزامن مع زيارة السيسي للإمارات، الخبر لم يصدر من القاهرة بل من أبوظبي.

اللافت أن الإعلان جاء من الجانب الإماراتي بصورة احتفالية واضحة، بينما التزمت مصر الصمت الكامل، وهو ما يفتح تساؤلات حول ما إذا كان الإعلان الإماراتي يحمل رسالة سياسية مقصودة، سواء لإظهار نجاح الإمارات في دفع مصر نحو دعم عسكري مباشر، أو لتثبيت تموضع مصر داخل محور إقليمي بعينه.

ولم يصدر عن الجانب المصري حتى اللحظة أي تصريح رسمي يوضح متى وصلت هذه القوات، وما مهمتها، وكم عدد طائراتها وأفرادها، وما الإطار القانوني لوجودها.

الوصف الإماراتي استخدم كلمة “مفرزة”، وهو مصطلح مقصود بعناية لتخفيف الصدمة وتجنب التساؤلات.

لكن وجود مقاتلات رافال مصرية في حالة تأهب داخل دولة منخرطة في الحرب يجعلها عملياً جزءاً من مسرح العمليات، بصرف النظر عن التوصيف المستخدم.

إن الشعب المصري الذي دفع ثمن هذه الطائرات من قوته وضرائبه وديونه، يستحق أن يعرف أين تذهب طائراته وماذا تفعل.

فالجيش ومؤسسات الدولة ملك للشعب، لا أدوات تستخدم وفق حسابات السلطة أو مصالحها السياسية.

ثانياً: دستور السيسي يكسره السيسي

المادة 152 من الدستور المصري صريحة لا تحتمل التأويل: لا يحق لرئيس الجمهورية إرسال قوات مصرية إلى الخارج في مهام قتالية دون موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين.

وهنا تكمن المفارقة الصارخة: هذا الدستور الذي يتم انتهاكه اليوم هو نفسه الذي صاغه النظام الحالي وأقره عام 2014.

والبرلمان الذي يفترض أن يمنح التفويض، يهيمن عليه بالأساس الموالون للنظام.

بمعنى آخر: النظام يخرق قواعده حين يناسب ذلك مصالحه الذاتية، وإرسال قوات مصرية إلى منطقة حرب دون أي تصويت معلن، ولا إحاطة شعبية، ولا مساءلة من أي نوع، يمثل تجاوزاً خطيراً للنصوص الدستورية ولمقتضيات وظيفة رئيس الجمهورية والقسم الذي أقسمه المرتبط باحترام الدستور والقانون.

ثالثاً: لم يرسل الطائرات لحماية النيل وأرسلها للإمارات

سد النهضة الإثيوبي يمثل تهديداً وجودياً حقيقياً للأمن المائي المصري، وقد انتظر الشعب المصري سنوات في انتظار موقف حازم.

وفي ليبيا تتمدد الفوضى على حدودنا الغربية، وفي السودان تشتعل حرب تمس مجالنا الحيوي مباشرة، وعلى حدودنا الشرقية تتواصل إبادة الشعب الفلسطيني في غزة.

في كل هذه الملفات التي تمس مصر وشعبها وأجيالها القادمة بشكل مباشر ووجودي، لم نر الرافال المصرية تتحرك، لكنها تحركت نحو الإمارات.

هذا التناقض يكشف خللاً واضحاً ومتعمداً في ترتيب أولويات الأمن القومي لدى نظام السيسي، حيث تتحرك القوة العسكرية المصرية  بما يرتبط بحسابات التحالفات الإقليمية أكثر من ارتباطها بالتهديدات المباشرة لمصر نفسها.

رابعاً: الرافال المصرية تعمل داخل منظومة إسرائيلية

خلال الحرب تم نشر نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي”القبة حديدية” وتواجد عدد كبير من العسكريين الإسرائيليين على الأراضي الإماراتية بطلب مباشر من أبوظبي.

وهذا يعني أن الطيارين المصريين يعملون في بيئة عملياتية واحدة مع منظومة عسكرية إسرائيلية.

من الناحية العسكرية البحتة، هذا يطرح إشكاليات ميدانية بالغة الخطورة.

حيث ان الرافال المصرية تعمل بأنظمة قيادة وسيطرة مختلفة عن المنظومة الإسرائيلية، مما ينشئ احتمالات خطيرة في إجراءات التعرف على الصديق والعدو.

وفي بيئات القتال المعقدة، قد يرفع هذا التداخل احتمالات أخطاء الاشتباك أو النيران الصديقة.

فضلاً عن ذلك، فإن الطيار المصري الذي تدرب طوال حياته العسكرية على عقيدة قتالية محددة، يجد نفسه فجأة في منظومة تكاملية مع قوات إسرائيلية وهي العدو العقائدي له ولوطنه ولأمته.

الأخطر من ذلك أن التصريحات الإيرانية الرسمية بعد الكشف عن المفرزة وصفت القوات المصرية في الخليج بأنها “قوات أجنبية”، وهو توصيف تستخدمه طهران عادة للقوات الأمريكية والقواعد الغربية في المنطقة.

هذا يعني عملياً أن أي تصعيد عسكري واسع قد يضع القوات المصرية ضمن بنك الأهداف الإيراني، بما يحول مصر من طرف داعم سياسياً إلى طرف منخرط ميدانياً في الحرب.

وقد تزامن ذلك مع حديث متزايد داخل الأوساط العسكرية المصرية عن حالة تساؤل وارتباك بين بعض الضباط حول طبيعة المهمة وحدودها، خصوصاً مع غياب الإعلان الرسمي المصري الواضح بشأن أهداف الانتشار العسكري في الإمارات.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المؤسسة العسكرية لجأت إلى حملات توجيه معنوي داخل قطاعات الجيش لتبرير هذا التواجد، عبر التأكيد على أن الانتشار يندرج في إطار “الدفاع عن الدول الشقيقة” وحماية الأمن الخليجي من الهجمات الجوية والمسيرات، وليس للمشاركة في عمليات هجومية.

لكن هذا التبرير لا يجيب عن السؤال الأكثر حساسية: ماذا سيكون الموقف المصري إذا تحولت العمليات الدفاعية إلى مواجهة هجومية واسعة؟ وكيف سيكون وضع القوات المصرية داخل مسرح عمليات يضم قوات إسرائيلية وأمريكية في مواجهة مباشرة مع إيران؟

خامساً: خيانة العقيدة العسكرية المصرية

العقيدة العسكرية المصرية تاريخياً قامت على ثوابت راسخة: الدفاع عن الأرض المصرية والأمن القومي المصري أولاً، وعدم التورط في أحلاف عسكرية تجر مصر إلى حروب الآخرين، والحفاظ على مسافة واضحة من الكيان الإسرائيلي في أي ترتيبات أمنية إقليمية لأنه هو العدو الإستراتيجي لمصر وشعبها وعقيدته الدينية.

وقد أكد على ذلك الفريق/ سعد الدين الشاذلي في كتاب التوجيه الخاص بالعقيدة العسكرية للجيش المصري خلال التحضير لحرب أكتوبر بأسم: “عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر” كأطار راسخ يستمد منه القادة والضباط والصف والجنود ثوابت عقيدتهم العسكرية.

وقد كان هذا الثابت الأخير راسخاً لدرجة أن مصر خلال حكم حسني مبارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 اشترطت صراحة إبعاد إسرائيل عن التحالف قبل أن ترسل قواتها.

اليوم يجد الجيش المصري نفسه في بيئة عملياتية تضم قوات إسرائيلية، في حرب لم يقررها البرلمان ولا الشعب، ضد دولة إسلامية، بجوار قواعد أمريكية، تحت سقف نظام إماراتي طبع بكل قدراته مع إسرائيل من خلال اتفاقات إبراهام.

الأخطر أن هذا التحول لا يقتصر على البعد السياسي فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل بيئة العمل العملياتي للجيش المصري نفسه، من خلال العمل داخل مسرح عمليات واحد يضم أنظمة أمريكية وإسرائيلية مترابطة، بما قد يترك آثاراً ممتدة على طبيعة العقيدة القتالية المصرية مستقبلاً.

هذا يعد مخطط خبيث ومتعمد كنوع من التحول التدريجي في طبيعة العقيدة العسكرية المصرية، والأخطر أن هذا التحول يجري بصمت ودون نقاش، كأن العقيدة العسكرية لمصر ملك شخصي لرأس النظام لا إرث ديني ووطني يخص كل مصري.

وفي مقابل هذا التموضع الجديد، برزت مؤشرات على تشكل اصطفافات إقليمية مقابلة، خصوصاً تصريحات وزير الدفاع الباكستاني – بعد وصول الطائرات المصرية المقاتلة للإمارات – حول وجود تنسيق أو تحالف دفاعي رباعي يضم باكستان وتركيا والسعودية وقطر، في ما يبدو أنه محاولة لبناء توازن إقليمي مواز لتمدد المحور الإماراتي الإسرائيلي.

هذا التطور يطرح تساؤلات إضافية حول موقع مصر الحقيقي في خريطة التحالفات الجديدة بالمنطقة، وما إذا كانت مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية وطنية مستقلة، أم أنها تتوجه تدريجياً داخل محور إقليمي تقوده أبوظبي وتل أبيب تحت المظلة الأمريكية.

سادساً: موقف مصر أم موقف نظام السيسي؟

في نهاية تقدير الموقف هذا، يبقى السؤال الجوهري التاريخي قائماً: هل هذا موقف مصر أم موقف نظام السيسي؟

مصر بتاريخها وثقلها وعقيدتها لا ترسل جيشها ليقاتل في حروب لا تخصها، ولا تتوجه إلى أحلاف تتناقض مع أمنها القومي، ولا تتخلى عن دستورها ومساءلتها الشعبية في الخفاء.

ما يجري اليوم هو قرار نظام لا قرار وطن، وهذا الفارق ليس لفظياً بل هو جوهر الأزمة.

الشعب المصري لم يعلم، وكذلك البرلمان – الذي تحت سيطرة النظام – لم يجتمع ليصوت، وحين تتخذ قرارات بهذا الحجم في الظلام، فإن كل هذه الخسائر الإستراتيجية المتراكمة حين يحل وقت دفع ثمنها، سيدفعها الشعب وإجياله القادمة، لا نظام السيسي، لأنه طال الوقت أو قصر سيرحل النظام ويبقى الشعب والوطن.