مدونة ميدان 25 مايو 2026

عام على ميدان

بقلم الأستاذ رضا فهمي

رئيس المكتب السياسي لحركة ميدان

كانت البذرة الأولى التي وُضعت في المنافي المصرية لكي تزهر وتنبت من بعد، هي حركة ميدان 2019؛ أشبه بمن قرر أن يغرس بذرته في أرضٍ بور ظنّ الجميع أنها لم تعد صالحة للزراعة، بعد ست سنواتٍ عجاف مرت على الانقلاب العسكري.

في الوقت الذي كان فيه الانقلاب يثبت أقدامه بخطى متسارعة، كانت المعارضة أسرع منه في التسليم بسردية تقول إن النظام تمكن ورسّخ أقدامه، وحصل على شرعية محلية وإقليمية ودولية، وإن أقصى ما يمكن فعله هو الحفاظ على الحد الأدنى من البقاء. وهكذا تحول الهدف من مواجهة الانقلاب إلى مجرد تحدي البقاء؛ نبقى من أجل ماذا؟ من أجل أن نبقى فقط!. وكأن المعنى انكمش حتى صار مجرد التشبث بالحياة، أيّ حياة، حتى وإن كانت بلا هدف أو فعل أو أثر.

فقد كثيرون الأمل في المعارضة بكل أطيافها؛ بدءًا من حاضنتها الشعبية، مرورًا بالدوائر القريبة من شبابها وفتياتها، وليس انتهاءً بالعائلات والأبناء الذين أنهكتهم سنوات الانتظار والاستنزاف. كما بدأت أطراف سياسية إقليمية، ومعها بعض المتعاطفين الدوليين، تعيد تقييم علاقتها بالمعارضة المصرية بعد أن رأت حالة الجمود الطويل التي دخلتها، وشعرت أن حجم الدعم السياسي الذي قُدِّم لم يقابله ما يكفي من الفاعلية أو القدرة على البناء والتأثير. وهكذا انقضى ما يشبه “شهر العسل” بين قطاعات من المصريين في الخارج وبين بعض هذه الأطراف، لتحلّ مكانه علاقة أكثر برودًا وحذرًا، تحكمها حسابات الدول ومصالحها قبل أي اعتبار آخر.

وقد تعلمنا مبكرًا أن الدول لا تُدار بالعواطف، ولا تبني سياساتها على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية وحدها، مهما حضرت هذه المعاني في الخطاب السياسي. فالدول تتحرك وفق حسابات الربح والخسارة، ووفق تقدير الأكلاف والمصالح. وعندما تتغير هذه الحسابات، تتغير معها السياسات والمواقف، ويكتشف كثيرون أن ما ظنوه ثابتًا لم يكن كذلك. كانت هذه من أكثر الحقائق قسوة، لكنها أيضًا من أكثرها أهمية في فهم الواقع كما هو، لا كما تمنيناه.

في هذا المناخ نشأت ميدان؛ على خوفٍ من إعادة إنتاج الفشل مرة أخرى، وعلى خوفٍ من بيئة إقليمية تعمل فيها أجهزة ودول وقوى عديدة على وأد أي مشروع تغيير قبل أن يرى النور، وعلى خوفٍ كذلك من حالة الإنهاك التي أصابت قطاعات واسعة من العمل العام، حتى صار أي مشروع جديد يبدو للبعض مغامرة غير محسوبة أو تكرارًا محتملاً للهزيمة.

ومع ذلك، كانت بوصلتنا واضحة. كنا نعرف ماذا نريد، وندرك أن الاستسلام للسقوف المنخفضة يعني التحول التدريجي إلى حالة دائمة من العجز. لذلك كان أحد أهدافنا الأساسية هو زحزحة هذه السقوف شيئًا فشيئًا، وتوسيع هامش الحركة الممكن، دون اندفاع منفصل عن الواقع، ودون أوهام كبرى لا تسندها موازين القوة والمعطيات الحقيقية.

لم تكن الطريق سهلة، ولم تكن الظروف مواتية، لكننا حاولنا أن نبني بهدوء وصبر، وأن نعيد فتح مساحات للحوار والعمل والتفكير. ومع الوقت، بدأت بعض الأطراف “الرسمية وغير الرسمية” تنظر إلينا بقدر أكبر من الجدية والاحترام، وبدأت تتشكل مساحات للتواصل وتبادل الرأي حول ملفات محلية وإقليمية ودولية.

لم ننتظر أن يأتي الناس إلينا ليتعرفوا علينا وعلى مشروعنا، بل ذهبنا إليهم، وتحاورنا معهم، وصبرنا طويلًا على سوء الفهم أحيانًا، وعلى التجاهل أو الوشاية، واقتضت الضرورة أن نكشر عن أنيابنا أحيانا أخرى حتى يفىء البعض إلى رشده. لم نرَ أنفسنا يومًا أوصياء على أحد، ولا تصورنا أننا نملك الحقيقة وحدنا، لكننا كنا نؤمن أن هناك طريقًا آخر يجب أن يُجرّب، وأن البقاء في المكان نفسه لم يعد خيارًا يحتمله بلد بحجم مصر.

ولذلك لم نكتفِ بالخطاب السياسي، بل حاولنا ” بقدر ما استطعنا” الانتقال إلى الفعل، وبناء العلاقات، وخلق مساحات مشتركة بين المختلفين. خاطبنا الجميع باللغة التي يفهمها، وركزنا على المشتركات، واجتهدنا في إقناع الآخرين بأن التعاون حول الحد الأدنى الممكن، أفضل من استمرار الاستنزاف والتشرذم وانتظار المعجزات.

وفي سعينا هذا حاولنا أن نستند إلى المعرفة وتقدير الموقف، لا إلى الأمنيات والرغبات. فلم نقدم على قرار مصيري دون استشارة أهل الخبرة والرأي، ولم نتمسك بخيارات ثبت لنا خطؤها فقط حفاظًا على الصورة أو خشية الملامة. لا ندّعي الكمال، ولا نزعم أننا لم نخطئ، لكننا حاولنا “قدر استطاعتنا” أن نتعلم، وأن نراجع أنفسنا، وألا نستسلم لإغراء الشعارات أو العواطف العابرة.

كما أدركنا منذ البداية أن أي مشروع يفقد استقلال قراره، يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الاستمرار والتأثير. لذلك سعينا إلى بناء علاقات متوازنة، تقوم على الاحترام المتبادل دون تبعية أو ارتهان، وتمسكنا بحقنا في أن يكون قرارنا نابعًا من رؤيتنا وقناعاتنا، لا انعكاسًا لرغبات الآخرين أو حساباتهم.

وفي الوقت نفسه، لم نرَ أنفسنا يومًا بديلًا عن الجميع، ولا مشروعًا مغلقًا على أعضائه ومنتسبيه. فكثير من الكفاءات الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور محوري في مستقبل مصر، قد لا تكون جزءًا تنظيميًا من ميدان أصلًا، وهذا لا ينتقص من قيمتها أو من حقها في المشاركة والتأثير. بل إن أي مشروع جاد للتغيير لا بد أن يفتح أبوابه لكل صاحب كفاءة وخبرة ورغبة صادقة في خدمة هذا البلد، وهو ما نفعله وسنظل نفعله؛ مرحبين بكل مخلص في حب وطنه وحريص على مستقبله.

ومن هنا، فإننا نرى أن ملايين المصريين في الخارج يمتلكون قدرة حقيقية على التأثير، إذا نجحوا في تنظيم جهودهم وبناء مساحات تنسيق فعالة بينهم. فالمغتربون المصريون ليسوا مجرد تجمعات بشرية موزعة حول العالم، بل يمكنهم أن يتحولوا إلى قوة ضغط حقيقية؛ تدافع عن حقوق الناس، وتساند قضايا المعتقلين والمظلومين، وتسهم في إعادة فتح المجال العام وكسر حالة الجمود واليأس.

الآن، وبعد عامٍ على انطلاقة ميدان والإعلان عن مشروعها للتغيير في مصر، أصبحت التحديات أكبر وأكثر تعقيدًا. فلم نعد مجرد كيان ناشئ محدود التأثير، بل أصبحنا أمام مسؤوليات أوسع تتطلب قدرًا أكبر من التنظيم والانتشار والمرونة. ولذلك نتعامل بوعي ومسؤولية مع طبيعة المرحلة، بما يراعي سلامة المشروع ويحفظ كوادره، ويخفف كذلك أي أعباء أو حساسيات قد تتحملها الدول المستضيفة.

ومن هنا، فمن المتوقع خلال المرحلة المقبلة افتتاح مكاتب جديدة في أكثر من جغرافيا، ليس فقط بهدف توزيع الأعباء وتخفيف الضغوط، بل أيضًا من أجل توسيع دوائر التأثير وتعميق الحضور والتواصل مع قطاعات أوسع من المصريين.

وسنظل نحمل الامتنان لكل من قدّم لنا دعمًا أو مساحة آمنة أو كلمة طيبة في وقت صعب، ولكل من تعامل معنا باحترام وإنسانية ورقي. فالعلاقات التي تُبنى على التقدير المتبادل تبقى أعمق أثرًا من الحسابات العابرة.

كما سنظل ممتنين دائماً لكل من ضحى ويضحي لأجل هذا الوطن من آلاف الشهداء والمعتقلين والمخفين قسراً وذويهم، وإن كل ما نفعله اليوم وسنفعله لو لم يكن إلا وفاءاً لهؤلاء جميعاً لفعلناه بنفسٍ راضية ولبذلنا الغالي والنفيس حتى لا نخون تضحياتهم وحتى لا تذهب معاناة ذويهم هباءاً.

وربما كان أهم ما تعلمناه خلال هذه السنوات، أن الشعوب قد تتعثر طويلًا، وقد تمرّ بلحظات ضعف وانكسار، لكن الإرادة لا تموت ما دام هناك من يحاول، ومن يراجع، ومن يرفض التسليم بأن اليأس قدرٌ نهائي، أو أن هذا الوطن قد كُتب عليه أن يبقى إلى الأبد خارج التاريخ.

#علشان_بكرة
#One_Year_of_Maydan