سؤال وجواب عن التنافس السعودي الإماراتي وتأثيره على مصر في الظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران

الملخص التنفيذي
تشهد العلاقات السعودية-الإماراتية مع نهاية عام 2025 حالة من التمزق الاستراتيجي حيث تحول تحالف الضرورة القديم إلى مواجهة صفرية ومفتوحة. تفكك هذه الورقة ديناميكيات هذا الصراع، مبرزةً أن جوهره يعود لتباين بنيوي حاد بين نموذج دولة الارتكاز القارية (السعودية) كما في أدبيات الجغرافيا السياسية؛ تبحث السعودية عن استقرار قاري وتدعم الجيوش المركزية وتحاول استعادة حالة ما قبل ثورات الربيع العربي، ونموذج دولة ما بعد وستفالية (الإمارات) التي تسعى للهيمنة اللوجستية عبر الممرات، الموانئ، واقتصاد الميليشيات والانفصال، وتتماهى مع حالة الضعف والانكشاف التي حدثت بعد الهجوم المضاد على ثورات الربيع العربي، تتماهى الإمارات مع الحالة الطبيعية السيالة التي تشكلت على مدار العقد ونص الماضيين، تدرس الورقة انعكاس ذلك على الوضع في مصر والخيارات الكبرى التي تتاح للنظام المصري محاولة فهم ابعاد انحيازاته.
أبرز الخلاصات الاستراتيجية للورقة:
- كشفت المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران مطلع عام 2026 عن هشاشة نموذج الشبكات الإماراتي وسرعة انكشافه الأمني والاقتصادي أمام الأزمات، في مقابل تفوق جلي في قدرة التحمل والمرونة الجيوسياسية لنموذج دولة الارتكاز القارية السعودية.
- على الصعيد الاقتصادي، تفكك الورقة ملامح سياسة عدوانية صامتة تنتهجها الرياض ضد أبوظبي؛ بهدف سحب البساط الاستثماري واللوجستي من دبي، وتجريدها من مركزيتها الإقليمية عبر إجبار الشركات العالمية على التموضع في الداخل السعودي.
- أدى ذلك التنافس على الموارد والمراكز والممرات لتهديد مباشر لأبوظبي، وأدى لخلل في موازين القوى ميدانيًا، وأدى إلى حروب وكالة شرسة في السودان، وهزيمة ساحقة للمشروع الإماراتي في جنوب اليمن بسقوط المجلس الانتقالي، فضلًا عن سباق محموم للسيطرة على سلاسل الإمداد والمعادن في أفريقيا، وتأسيس محاور إقليمية متضادة تعيد رسم التحالفات بعيدًا عن المظلة الأمريكية التقليدية.
- أما مصر ومعضلة الارتهان السيادي، فتجد القاهرة نفسها في قلب هذه العاصفة الخليجية، مشتته بين محددات أمنها القومي الذي يتقاطع مع الرؤية السعودية في السودان والبحر الأحمر، وضرورات الإنقاذ الاقتصادي المرتهن للسيولة المالية الإماراتية. ورغم محاولات مصر اللعب على تناقضات المحاور عبر آلية (الرباعية العربية-الإسلامية)، إلا أن الضغوط الاقتصادية أجبرتها في النهاية على مقايضة أمنية خطيرة، تجلت في نشر مقاتلات الرافال لحماية الإمارات، مما يضع استقلالية القرار العسكري المصري في دائرة الخطر، وينذر بأثمان جيوسياسية باهظة قد تعصف باستقرارها المستقبلي.
التمهيد
لم يعد بالإمكان مقاربة التوترات السعودية-الإماراتية اليوم من منظور الخلاف الداخلي في مجلس التعاون الخليجي أو التنافس المدار الذي يمكن أن تستمر معه الأطراف في حالات تنافس طويلة الأمد من دون انعكاس سلبي مباشر اقليمي ومحلي؛ فمع نهاية عام 2025 بات جليًا أن المنطقة تشهد حالة من التمزق الاستراتيجي العميق وذلك لأننا نحيا اللحظة الخليجية وأي خلل في توازن القوة داخل البيت الخليجي سيجد صداه في الإقليم خصوصًا في هذه اللحظة التالية للطوفان. لقد انتقل التحالف الذي قاد الشرق الأوسط لعقد كامل بمواجهة مفتوحة وصفرية مع الحركات الإسلامية، ووأد ثورات الربيع العربي، انتقل لاستخدام العنف البيني لتحديد الرابح لهذه الامتيازات التي حيزت على مدار تلك السنوات، أو في أحسن التقديرات إعادة تقسيم الريع بينهم، إذ تسارعت وتيرة الصراع بين السعودية والامارات تحت وطأة الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة، بدءًا من ساحات الاشتباك في اليمن والسودان، وصولًا إلى الارتدادات العنيفة للمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، وحروب الممرات واللوجستيات.
لا يقتصر هذا الصراع على النفوذ السياسي المعتاد، فيضرب بجذوره في تباين بنيوي حاد بين نموذج دولة الارتكاز القارية[1] كالسعودية الباحثة عن الاستقرار القاري والمركزية والعودة إلى عهد ما قبل الربيع العربي، ونموذج الدولة ما بعد وستفاليا[2] كالإمارات التي تعتمد على المرونة القصوى واقتصاد الميليشيات والممرات العابرة للحدود، والتعايش مع مرحلة الفوضى الكبرى بعد الربيع.
في ظل هذا المشهد المعقد، تتشكل محاور إقليمية جديدة، وتجد دول مركزية كبرى -وعلى رأسها مصر- نفسها في قلب هذه العاصفة، محاصرة بين متطلبات الأمن القومي وضرورات الإنقاذ الاقتصادي العاجلة للنظام للمحافظة على شرعيته.
تهدف هذه الورقة إلى تفكيك مشهد التنافس السعودي-الإماراتي واستشراف مآلاته، من خلال الإجابة على خمسة تساؤلات محورية:
- ما هي الجذور البنيوية للتمزق بين الرياض وأبوظبي؟
- كيف تعيد الفرص والتحديات رسم خريطة التحالفات الإقليمية لكلا البلدين؟
- كيف أعادت المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران تشكيل موازين القوى الخليجية؟
- كيف يترجم هذا التنافس ميدانيًا في ساحات الوكالة وحروب الممرات واللوبيات؟
- كيف تقع مصر في قلب هذه العاصفة، وما هي مآلات ارتهان قرارها السيادي؟
عززت الحرب والخلاف من تراجع دور مجلس التعاون الخليجي فاتحا الباب امام تحالفات جديدة لملئها
السؤال الأول: ما هي الجذور البنيوية لتمزق تحالف ما بعد الربيع بين السعودية والإمارات؟
تاريخيًا تجنبت الدولتان الخلافات العلنية لاجتماعهما ضد أعداء مشتركين، وخصوصًا في استهداف حركات الإسلاميين بعد الربيع العربي. إلا أن دور السعودية مر بتحولات أدت لهذا الصدام؛ فبعد عقود من إدارة نفوذها عبر التمويل السياسي الخفي مع دول قائمة وانظمة راسخه نسبيًا(1980-2014) ، انتقلت للتدخل العسكري المباشر في اليمن (2014-2019)، لاحقًا تبنت الرياض استراتيجية تميل إلى الانعزالية ومراكمة الثروة والفرص (2020-2025) متجنبة التورط في أزمات الإقليم، وهو ما خلق فراغًا جيوسياسيًا سارعت الإمارات لملئه في اليمن وليبيا والسودان -مؤقتًا-، لتنتهي هذه المرحلة بالصدام الخشن.
جوهر الصراع
يكمن الجذر الحقيقي لهذا التمزق في الاختلاف البنيوي في طبيعة كلتا الدولتين، مما يفرض عليهما استراتيجيات متناقضة:
- السعودية (نموذج الدولة المركزية/دولة الارتكاز القارية): تتصرف المملكة كـ قوة قارية ترتكز على مساحتها، مواردها، ديموغرافيتها، ومكانتها الدينية. يعتمد أمنها القومي بشكل صلب على تماسك الدول المجاورة لمنع تسرب الفوضى عبر حدودها؛ لذا تدعم الجيوش النظامية والحكومات المركزية، وترى نفسها القائد الأوحد للمنطقة، كما أن السعودية تميل لتجريب المجرب وليست عندها قدرة على الصبر الطويل والاستثمار طويل الأمد، مع أنها تمتلك من الممكنات الكثير.
- الإمارات (نموذج الدولة الشركة/ مابعد وستفاليا): لضيق مساحتها الجغرافية، تتبنى أبوظبي استراتيجية مرونة قصوى كقوة أخطبوطية. لا تعبأ الإمارات بالحدود السياسية بقدر اهتمامها بالسيطرة على عُقد الارتكاز كالموانئ والمطارات. وعليه فهي لا تمانع في تفتيت الدول المأزومة طالما أحكمت سيطرتها على مفاصلها الاقتصادية والممرات البحرية.
أبعاد التنافس وميادينه
خلق هذا التباين فجوة إدراكية حولت طبيعة الصراع إلى شبه صفري، وتجلت في ثلاثة مستويات:
- المستوى الجيوسياسي (حرب الوكالة): تستخدم الإمارات شبكة من الوكلاء الانفصاليين والميليشيات (مثل الدعم السريع في السودان والانتقالي في اليمن) لتعزيز سيطرتها، وهو ما تعتبره السعودية تهديدًا مباشرًا لحدودها الجنوبية ومحاولة لتطويقها في البحر الأحمر، مما دفعها للتدخل العسكري المضاد.
- المستوى التنافسي (حرب الوصافة): تتنافس الدولتان على مرتبة الحليف الإقليمي الأول للولايات المتحدة (بعد إسرائيل). وقد رأت الرياض في اتفاقيات أبراهام محاولة إماراتية لفرض وصاية شبكية إسرائيلية-إماراتية على الإقليم.
- المستوى الإعلامي (حرب السمعة): انتقل الصراع إلى واشنطن والفضاء السيبراني؛ حيث شنت السعودية حربًا رقمية، بينما استعانت الإمارات بلوبيات أمريكية للضغط على الرياض، وتم استخدام ملفات فضائحية (كقضية إبستين) كأدوات لتحجيم القوة الناعمة للإمارات والطعن في أعراض سياسييها من الإناث.
في المحصلة تغيرت ديناميكية القوة جذريًا؛ فلم تعد السعودية تقبل بمسألة الشراكة المتساوية وبدأت تستخدم قوتها الخشنة لفرض التراتبية، بينما تكافح الإمارات للحفاظ على نفوذها عبر القوة الذكية المرنة.
السؤال الثاني: كيف تعيد الفرص والتحديات رسم خريطة التحالفات الإقليمية لكلا البلدين؟
يعكس التنافس بين الرياض وأبوظبي تفاعلًا معقدًا بين نقاط الضعف والقوة لكلتا الدولتين. وقد أدى هذا التباين البنيوي إلى انقسام إقليمي حاد، تبلور في اصطفافات تسعى إما للحفاظ على شكل الدولة التقليدية أو تجاوزها عبر شبكات المصالح.
أولًا: الإمارات بين هشاشة النموذج وطموح الشبكات
تواجه الإمارات تحديات وجودية تتمثل في الهشاشة والانكشاف؛ إذ يعتمد نموذج دبي الاقتصادي كليًا على الاستقرار والسمعة، مما يجعل إثارة قضايا حقوقية أو اتهامات بجرائم حرب في السودان تهديدًا مباشرًا قد يؤدي لهروب رؤوس الأموال. كما تعاني من عزلة إقليمية متزايدة بسبب خسارة غطاء السعودية، والتوتر مع مصر والصومال، فضلًا عن المخاطر الشعبية للاعتماد على إسرائيل كحليف بديل. وتظل إمكاناتها البنيوية (ديموغرافيًا وجغرافيًا والثقل الديني) محدودة مقارنة بالسعودية.
بالمقابل تناور أبوظبي بخلق فرص استراتيجية عبر الهروب إلى الأمام نحو أفريقيا؛ حيث تستحوذ على المعادن الحرجة (كالنحاس والكوبالت) وتدفق الذهب من جبل عامر في السودان، حيث تكون الإمارات هي النافذة الشرعية لهذه الشبكات لنقل تدفق المعادن إلى السوق العالمية، فهي ثاني أكبر مصدر للذهب عالميًا بعد سويسرا وهي لا تملك مناجم ذهب. كما تحاول السيطرة على ممرات حيوية مثل مناطق الاختناق مثل باب المندب وقناة السويس من خلال الاستحواذ على موانئ، وصولا لمحاولة بسط النفوذ لممر لوبيتو (تنزانيا-زامبيا-الكونغو-أونغولا) لتقدم نفسها كشريك تأميني لا غنى عنه للولايات المتحدة في صراعها مع الصين. كما تستثمر في الشراكة التكنولوجية مع الهند وإسرائيل في تحالف I2U2، مستغلة حالة التفكك والتآكل في دول المنطقة لترسيخ نفوذ شبكاتها وموانئها.
ثانيًا: السعودية بين فخ الاستنزاف ومركزية الثقل
يبرز التحدي الأكبر للرياض في فخ الاستنزاف؛ حيث تتطلب محاولاتها لترميم دول كاليمن والسودان تدخلًا مكلفًا ماليًا وعسكريًا، وهو ما يتناقض مع رغبتها في التفرغ لمشاريعها التنموية الداخلية وجذب الاستثمارات العالمية. بالإضافة إلى التناقضات المحتملة التي قد تضعف صورتها كحليف نتيجة لإدارة تحالفاتها المعقدة.
رغم ذلك تملك السعودية فرصًا هيمنة هائلة، تتجلى في قيادتها لمحور الوضع القائم المدعوم بالشرعية الدولية، في قلب هذا التنافس الاقتصادي، برز برنامج المقرات الإقليمية (RHQ) الذي أطلقته السعودية عام 2021 بتوجيه من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كأداة هجومية ضمن رؤية 2030، تمثل الصراع على الموارد، لا يستهدف هذا البرنامج مجرد تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، بل يرمي صراحة إلى إنهاء احتكار دبي لمركز الثقل المالي والتجاري للشركات متعددة الجنسيات في الشرق الأوسط. ولتحقيق ذلك استخدمت الرياض ثقلها كأكبر اقتصاد في المنطقة، مشترطةً على الشركات الأجنبية نقل مقراتها الإقليمية إلى العاصمة السعودية كشرط أساسي للحصول على العقود الحكومية الضخمة والمربحة.
ولضمان هجرة هذه الشركات وسلاسل إمدادها من الإمارات، قدمت السعودية حزمة حوافز سيادية غير مسبوقة؛ شملت إعفاءات ضريبية تصل إلى 0% على ضريبة الدخل للشركات لمدة 30 عامًا، وإعفاءات من حصص توظيف المواطنين (السعودة) لمدة 10 سنوات، وتسهيلات استثنائية في التأشيرات للمسؤولين التنفيذيين وعائلاتهم. هذا التحرك أحدث صدمة في دولة الإمارات وأثار قلقًا بالغًا حول الازدواج الضريبي لدى المديرين التنفيذيين، محولًا التنافس بين البلدين إلى صراع صفري ملموس على استقطاب العقول ورؤوس الأموال، ومؤكدًا سعي السعودية لأن ترث النفوذ اللوجستي والمالي الذي طالما تنعمت به دبي، وتأسيس كيانات بحرية عملاقة لتنافس النفوذ اللوجستي الإماراتي، مستفيدة من الغضب الإقليمي تجاه سياسات أبوظبي، وإظهار هشاشتها لحلفائها، فقد كانت السعودية أبرز المستفيدين من استهداف ايران المتكرر للفجيرة.
ثالثًا: خريطة الاصطفاف الإقليمي الجديد
أفرزت هذه المعطيات محورين رئيسيين يتصارعان على هيكلة الإقليم:
- المحور السعودي (الوضع القائم/الدولة): يضم السعودية، مصر -تناور بين الطرفين-، تركيا، باكستان، الصومال، والجيوش النظامية كجيش البرهان في السودان. تقوم عقيدته على الحفاظ على وحدة الدول وتأمين البحر الأحمر، وتتوزع أدواره بين التمويل السعودي، والتكنولوجيا التركية/الباكستانية، والثقل البشري المصري.
- المحور الإماراتي (الشبكات/المصالح): يضم الإمارات، إسرائيل، الهند، إثيوبيا، ومصر -تناور بين الطرفين-، وأذرعًا ميليشياوية كالدعم السريع، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات حفتر. يهدف هذا المحور لتقليل نفوذ المركزيات ودعم الانفصال والسيطرة على الممرات، معتمدًا على التكنولوجيا الإسرائيلية وقدرة أبوظبي على دمج اقتصاد الميليشيات في السوق العالمية.
تحل مصر في الرؤيتين كقوة ضرورة تحيدها حتى لا تستعيد دورها التاريخي، أي أن ضرورها استقطابها من الطرفين وتحييد كل ممكناتها بتسكينها في الوضعية الحالية التي تتنفس على رئة السيولة الخارجية والقروض والأموال الساخنة والودائع الخارجية.
كما يؤكد هذا المشهد أن الإمارات تحاول التحصن بالشراكات الغربية للهروب من الظل السعودي، في حين تبدو الرياض مصممة على استعادة دور القطب الأوحد عبر تفكيك وكلاء منافستها “الإمارات” بشرائهم.
السؤال الثالث: كيف أعادت المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران تشكيل موازين القوى الخليجية؟
شكل العدوان الأمريكي على إيران نهاية فبراير، الاختبار الواقعي الأقسى للنماذج الاستراتيجية في منطقة الخليج. لقد نقلت هذه المواجهة التنافس السعودي-الإماراتي من حيز النظريات وحروب الوكالة وتصفية الحسابات السيبرانية، إلى صدمة جيوسياسية مباشرة اختبرت صلابة نموذج دولة الارتكاز القارية (السعودية) في مواجهة انكشاف دولة ما بعد وستفاليا (الإمارات).
أولًا: تباين القدرة على تحمل الصدمات (من يدفع فاتورة الحرب؟)
أثبتت مجريات الصراع المباشر تفوقًا واضحًا في قدرة التحمل الاستراتيجية لدى السعودية. فبينما تتأثر الإمارات بشدة وبشكل فوري نظرًا لطبيعة اقتصادها الخدمي واللوجستي، تمتلك السعودية مقومات جيوسياسية أوسع لامتصاص الصدمات.
وفقًا للتقارير الاستخباراتية وتغطيات الصحافة العالمية، تعرضت كلتا الدولتين لهجمات، وانخرطتا في الرد العسكري المباشر. شنت إيران هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة على أهداف سعودية حيوية، شملت منشأة رأس تنورة النفطية وقاعدة الأمير سلطان الجوية، قامت الرياض بتوجيه ضربات لمنصات إطلاق إيرانية واستهداف ميليشيات تابعة لها في العراق.
في المقابل كان وضع الإمارات أكثر انكشافًا وهشاشة؛ حيث أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيرات تجاهها، مما أسفر عن اندلاع نيران في منشآت نفطية استراتيجية في الفجيرة (التي تعد شريانًا رئيسيًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز) وتأثرت قواعد جوية وعقارات سكنية في دبي. ورغم أن الإمارات ردت بهجمات منسقة مع واشنطن وإسرائيل على البنية التحتية الإيرانية، إلا أن التأثير النفسي والاقتصادي الداخلي كان عنيفًا. فقد شهدت البلاد موجات قلق أدت لمحاولات هروب لرؤوس الأموال والأجانب، حيث وصلت تكلفة مغادرة البلاد عبر طائرات خاصة في بعض الأيام إلى أرقام غير مسبوقة (بلغت 250 ألف دولار). هذا يثبت أن نموذج الشبكة اللوجستية يفقد استقراره بمجرد انطلاق أول صافرة إنذار.
ثانيًا: التداعيات الجيوسياسية المباشرة للأزمة
على الرغم من سريان بعض مساعي التهدئة منذ أبريل 2026، إلا أن النتائج النهائية لهذه الحرب لم تتبلور بشكل قاطع بعد، نظرًا لاستمرار التعامل مع الارتدادات المباشرة للصراع. ومع ذلك يمكن الجزم بأن الهزة الأولى أمالت الكفة بوضوح لصالح الرياض. فقد أظهرت المواجهة أن الغطاء الأمني الإسرائيلي-الأمريكي الذي راهنت عليه أبوظبي لم يكن كافيًا لحماية بنيتها التحتية المفتوحة والمترابطة عالميًا، في حين أن العمق الجغرافي والديموغرافي السعودي استطاع امتصاص الصدمة واستئناف العمل في منشآته الحيوية بسرعة (كما حدث في إعادة تشغيل مصفاة رأس تنورة بعد أيام قليلة من استهدافها).
ثالثًا: مؤشرات السيولة والإنفاق العسكري
إذا اعتمدنا على تحليل المؤشرات الاقتصادية والبيانات الحديثة للربع الأول من عام 2026، سنجد أن الأرقام تدعم فرضية اتساع الفجوة الاستراتيجية لصالح قدرة التحمل السعودية، وذلك عبر مسارين رئيسيين:
- الإنفاق العسكري وتأمين دولة الارتكاز القارية: عكست البيانات الرسمية توجهًا صارمًا نحو تعزيز السيادة الدفاعية، حيث شهد الإنفاق العسكري في السعودية قفزة ملحوظة وارتفاعًا ملموسًا خلال الربع الأول من العام الجاري 2026 أي في فترة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، هذا الضخ المالي العاجل في قطاع الدفاع يمنح الرياض استقلالية أوسع ومرونة عملياتية لتأمين عمقها الاستراتيجي وتحمل ارتدادات المواجهة المباشرة، متفوقة بذلك على الاعتماد الإماراتي على المظلة الأمنية الخارجية.
- السيولة النقدية والمناورة الجيوسياسية في تصدير النفط: على الجانب الاقتصادي، أثبتت السعودية قدرة استثنائية على امتصاص صدمة الحرب، مدعومة بوسادة مالية ضخمة؛ إذ كسرت السيولة النقدية في السعودية حاجز 882 مليار دولار لأول مرة في تاريخها. هذا الاحتياطي النقدي الهائل يحمي اقتصادها من فزع رأس المال الجبان الذي تعاني منه الأسواق الخدمية واللوجستية في الإمارات بمجرد اندلاع الصراع، طلبت الامارات من أمريكا دعم مالي للسيولة النقدية.
وعلى الرغم من أن الحرب أثرت بشكل حاد ومباشر على إمدادات الطاقة، حيث سجلت صادرات النفط السعودي تراجعًا غير مسبوق خلال شهر مارس، وأشارت التوقعات إلى أن مبيعات النفط السعودي إلى الصين ستنخفض إلى النصف خلال شهر مايو، إلا أن العمق الجغرافي أنقذ الموقف. فمع تعطل وإغلاق مضيق هرمز (الذي يمثل الشريان الوحيد للنموذج الإماراتي من الناحية التجارية والمالية)، استخدمت السعودية واجهتها البحرية البديلة، لتقفز صادراتها النفطية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى 5 أمثالها. ورغم أن هذه الصادرات عبر ينبع لا تزال أقل من المستهدف الكلي ، إلا أنها تثبت تفوق نموذج دولة الارتكاز القارية الممتدة على بحرين، وقدرتها على إيجاد شريان بديل يبقي آلتها الاقتصادية تعمل ولو جزئيًا، في حين كانت البوابة الخلفية للنفط الإماراتي تتعرض للقصف الإيراني في الفجيرة، وخط حبشان.
السؤال الرابع: كيف يترجم هذا التنافس ميدانيًا في ساحات الوكالة وحروب الممرات واللوبيات؟
ينتقل التنافس بين الرياض وأبوظبي من الأطر البنيوية إلى جغرافيا سياسية صلبة تتسم بطبيعة تمزق حلف اللحظة الخليجية، ويتجسد هذا التمزق في تداخل الصراعات العسكرية المسلحة عبر الوكلاء، مع حروب الممرات البحرية اللوجستية، والمعارك الدبلوماسية والإعلامية الشرسة في أروقة واشنطن والفضاء السيبراني.
أولًا: انسحاب الإمارات من أوبك وأبعاده الاستراتيجية
شكل انسحاب الإمارات رسميًا من منظمة أوبك في الأول من مايو 2026 نقطة تحول جوهرية في ديناميكيات أسواق الطاقة والسياسة الخليجية. لم يكن هذا القرار مدفوعًا فقط بالرغبة في التحرر من قيود حصص الإنتاج التي كانت تعطل قرابة 40% من طاقتها الإنتاجية (التي وسعتها لتقترب من 5 ملايين برميل يوميًا)، بل يعكس تباينًا أعمق في الأولويات الاقتصادية. فبينما تحتاج السعودية بوضوح إلى استقرار أسعار نفط عند حدود مرتفعة لتمويل مشاريعها العملاقة ضمن رؤية 2030 (مثل نيوم والقدية)، تمتلك الإمارات اقتصادًا أكثر تنوعًا يسمح لها بتقبل أسعار نفط أقل مقابل زيادة حصتها السوقية. تسعى أبوظبي إلى تسييل مواردها النفطية بأقصى سرعة ممكنة لتمويل استثماراتها الخارجية، مما يمنحها حرية أكبر في تعزيز علاقاتها التجارية مع قوى كبرى مثل الهند والصين، حتى وإن كان ذلك على حساب خفض الأسعار عالميًا.
يمثل هذا الانسحاب ضربة مباشرة للنظام الإقليمي الذي تقوده السعودية، ويوسع الفجوة الاستراتيجية بين أبوظبي والرياض. ترى الإمارات أن الانضواء تحت مظلة أوبك لم يعد يخدم صعودها كقوة تبحث عن الاستقلالية الاستراتيجية المطلقة. ويشابه هذا القرار في جرأته خطوة توقيع اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل، حيث تؤكد أبوظبي استعدادها للتخلي عن الإجماع الإقليمي والخليجي أو التوافقات التقليدية متى ما تعارضت مع مصالحها. وفي المقابل تجد السعودية نفسها تتحمل عبئًا أكبر في موازنة أسواق النفط بمفردها، بينما تستمر الإمارات في إعادة تقييم أدوارها في المنظمات متعددة الأطراف لتعزيز تحالفاتها بمعزل عن التبعية للقرار السعودي.
ثانيا: ساحات الاشتباك حرب الوكالة
- اليمن: تحول الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى مشروع انفصالي يهدف لعزل السعودية عن بحر العرب، ومنعها من استخدام حضرموت والمهرة كبوابة خلفية لتمرير نفطها في حال إغلاق مضيق هرمز، هذا التهديد دفع الرياض للتدخل العسكري المباشر عبر وكلائها (قوات درع الوطن) وسلاح الجو لفرض التراتبية وطرد المليشيات المدعومة اماراتيًا.
تلقى المشروع الجيوسياسي الإماراتي في اليمن هزيمة استراتيجية ساحقة مطلع العام الحالي، وذلك إثر الانهيار المتسارع لحليفها الأبرز المجلس الانتقالي الجنوبي. ففي تحول جذري لموازين القوى، شنت القوات الحكومية التابعة لمجلس القيادة الرئاسي –بدعم مباشر وغارات جوية من التحالف بقيادة السعودية– هجومًا واسعًا انتهى بالسيطرة التامة على العاصمة المؤقتة عدن في 7 يناير 2026، واستعادة المقرات السيادية كالقصر الرئاسي والمطار. وفي ظل هذا التقدم الكاسح، أعلن التحالف رسميًا عن هروب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إلى جهة غير معلومة ثم إلى الإمارات، إثر ضربات استباقية عطلت قدرات قواته. وعلى إثر ذلك عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعًا طارئًا أصدر فيه قرارًا حاسمًا بإسقاط عضوية الزبيدي وإحالته للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى وتشكيل عصابات مسلحة. وقد توجت هذه الأحداث المتلاحقة بإعلان الأمين العام للمجلس الانتقالي في 9 يناير 2026 عن حل المجلس نهائيًا، مما سطر نهاية درامية للنفوذ الانفصالي المدعوم إماراتيًا في جنوب اليمن، وأعاد فرض سيطرة الحكومة المركزية.
- السودان وليبيا: يمثل السودان معركة كسر عظم صفرية؛ حيث تتهم تقارير أممية الإمارات بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا وحاليًا أثيوبيا، وهو ما تراه السعودية ومصر تهديدًا مباشرًا لسيادتهما على البحر الأحمر. وردًا على ذلك اصطفت الرياض مع القاهرة لدعم مؤسسة الجيش السوداني (البرهان) عبر تزويده بطائرات مقاتلة باكستانية، واستخدام القواعد المصرية لإطلاق مسيرات تركية ضد الدعم السريع. كما وظفت السعودية ثقلها المالي والسياسي للضغط على تشاد لإغلاق حدودها وتضييق الإمدادات في 23 فبراير 2026. وفي ليبيا تدعم الإمارات خليفة حفتر وتستغل الشرق والجنوب الليبي كخطوط إمداد عسكري للدعم السريع، مما يمثل محاولة لتطويق مصر جيوسياسيًا والضغط على تحالفها مع الرياض.
ثالثًا: صراع الممرات اللوجستية وغزة والقرن الأفريقي
- قناة السويس مقابل الممر الاقتصادي (IMEC)
تنظر الإمارات لقطاع شرق المتوسط وغزة من منظور الممرات اللوجستية، حيث تسعى عبر تحالفها العضوي مع إسرائيل إلى ترسيخ مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) لتجاوز المركزية السعودية بدمجها في مشروع أبرهام الذي ساهمت بشكل مبكر في بناء بنيته التحتيه من شبكات مصالح ونفوذ وقوة، كما سعت إلى تهميش قناة السويس. وقد وظفت الإمارات أدوات ناعمة وخشنة؛ شملت توجيه 89% من تبرعاتها لغزة والضفة -غالبها للسلطة-، وتمويل ميليشيات تابعة للسلطة، بالتوازي مع دعم شبكات مصالح محلية (مثل العرجاني) ترتبط بالمخابرات لتأمين موطئ قدم لوجستي. في المقابل جمدت السعودية التطبيع مؤقتًا واصطفت مع مصر لرفض أي مخططات تهجير أو مغامرات تهدد تماسك الدول.
- القرن الأفريقي
تتحالف الإمارات مع إثيوبيا وأرض الصومال، فاستهدفت الجيش السوداني عبر طائرات انطلقت من أثيوبيا كتغطية جوية لمليشيا الدعم السريع، ولا تمانع في استغلال ملف سد النهضة لابتزاز الأمن القومي المصري وانتزاع تنازلات اقتصادية. في المقابل اصطفت السعودية مع (مصر والصومال) لدعم الحكومات المركزية والسيادة الوطنية ضد التمدد الشبكي الإماراتي، ورفض الخطوات الاسرائيلية في أرض الصومال.
- المشروع اللوجستي السعودي
على الصعيد اللوجستي لم تعد السعودية تكتفي بدور مصدر الطاقة، بل تتجه نحو إبرام تحالفات بحرية استراتيجية لتحويل موانئها (مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالعزيز) إلى عقد محورية في ممرات التجارة العابرة للقارات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتشير التوجهات الأخيرة لصندوق الاستثمارات العامة (PIF) إلى خطط لدمج الأصول الخاصة بالموانئ والسكك الحديدية وشركات الشحن في كيان لوجستي عملاق. لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على إعادة الهيكلة المالية، بل هي تحرك سيادي يهدف إلى بناء منصة موحدة قادرة على تقديم بدائل مسارات أكثر مرونة، وتحدي الهيمنة التاريخية لموانئ الإمارات كمركز رئيسي للشحن العابر. الهدف السعودي واضح: استنساخ التجربة الإماراتية في النمو اللوجستي ولكن بحجم قاري أكبر ومرتبط صناعيًا بالتحول في الصناعات التحويلية مستقبلًا.
يمثل تأسيس شركة فلك ماريتايم في 2024 بدعم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي خطوة استراتيجية حاسمة لاقتحام قطاع الشحن البحري والخدمات اللوجستية، بصفتها أول مشغل إقليمي لسفن الروافد والخطوط الملاحية في المنطقة. وتهدف الشركة إلى بناء ممرات تجارية جديدة وربط الموانئ الحيوية في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا عبر حلول شحن شاملة ومدعومة بالتكنولوجيا، وهذه الخطوة تعزز من مكانة موانئ السعودية على حساب الإمارات. تأتي هذه الانطلاقة لترسيخ سيادة المملكة على سلاسل الإمداد وتحقيق رؤية 2030 بتحويلها إلى مركز لوجستي عالمي، مما يكسر الاحتكار الإقليمي التقليدي لهذا القطاع ويقلص الاعتماد التاريخي على موانئ الدول المجاورة.
- أزمة مضيق هرمز وصعود المنافسين
لقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز (منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير 2026) إلى كشف الهشاشة الاستراتيجية لنموذج دبي اللوجستي المعتمد بشكل أساسي على هذا الممر المائي. وفي محاولة لتجاوز هذا الاختناق، سارعت الإمارات إلى تفعيل ممرات برية مع سلطنة عمان عبر معبر حتا، وذلك لنقل البضائع الحساسة والمستعجلة وتأمين الإمدادات، خاصة مع الهند. ورغم أهمية هذا الممر الأخضر إلا أنه لا يستطيع استيعاب سوى 20% إلى 30% من أحجام الشحن البحري السابقة. هذه الأزمة الجيوسياسية فرضت واقعًا جديدًا؛ حيث فتحت الباب أمام موانئ خارج المضيق، مثل ميناء الدقم في سلطنة عُمان، وموانئ البحر الأحمر السعودية، لتلعب دورًا بديلًا، مما يهدد بسحب البساط من ميناء جبل علي، في وقت تبحث فيه دول الشرق الأوسط بجدية عن ممرات لوجستية جديدة أكثر مرونة ومناعة ضد الصدمات الأمنية.
رابعًا: حرب السمعة واللوبيات في واشنطن
انعكس الصراع في ساحات القوة الناعمة الأمريكية؛ حيث استخدمت السعودية نفوذها الإعلامي لشن هجوم رقمي غير مسبوق على الإمارات. بالمقابل استعانت أبوظبي بلوبيات مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة مثل رابطة مكافحة التشهير ADL والسيناتور ليندسي غراهام لمهاجمة السعودية واتهامها بمعاداة السامية. كما جرى توظيف الملفات الفضائحية (مثل قضية إبستين) كأداة ضغط سياسي متبادلة لتحجيم القوة الناعمة، وهو ما أسفر عن بروز أسماء شخصيات بارزة تابعة للإمارات في تلك القضايا، وكان أكثرها “إهانة” ظهور أسماء إماراتيات في تلك الفضائح، في حين غابت الشخصيات السعودية عن تلك الوثائق.
السؤال الخامس: أين تقع مصر في قلب هذه العاصفة الخليجية، وما هي حدود نفوذ كل طرف؟
تحولت مصر من شريك استراتيجي في السياسة الخليجية إلى ساحة عمليات رئيسية في التنافس المحتدم بين مشروع الدولة السعودي ومشروع العقد والشبكات الإماراتي، لقد تآكل التحالف الثلاثي (مصر، السعودية، الإمارات) الذي تأسس بعد 2013 لمواجهة تيارات الإسلاميين، ليحل محله تضارب حاد في المصالح لكل نظام. وفي ظل هذا الاستقطاب، وجدت القاهرة نفسها أمام معضلة وجودية قاسية: الاختيار بين الأمن القومي (الذي يتقاطع استراتيجيًا مع الرؤية السعودية في حماية البحر الأحمر ودعم جيش السودان)، وبين الإنقاذ الاقتصادي (الذي تمسك الإمارات بمفاتيحه).
أولًا: تفكيك حدود النفوذ
ينقسم النفوذ الخليجي في مصر إلى مسارين رئيسيين لا يعتمدان على اختراق المؤسسة العسكرية المغلقة، بل على الهيمنة المالية واللوجستية:
- الاستحواذ الإماراتي: تحولت مصر إلى سوق مفتوح للاستحواذات الإماراتية التي تجاوز حجم استثماراتها المباشرة 65 مليار دولار. رسخت أبوظبي نفوذها عبر صفقات ضخمة كـ رأس الحكمة (35 مليار دولار)، وسيطرة موانئ دبي وأبوظبي على امتيازات تشغيل بعض الموانئ المصرية، بالإضافة لاستحواذ الصندوق السيادي (ADQ) على حصص حاكمة في قطاعات البنوك (CIB)، والأسمدة، وبيع التجزئة، والصحة، والزراعة، والطاقة والغذاء..الخ.
- الضغط السعودي: ترتكز السعودية على نفوذ بنيوي صلب؛ فوجود حوالي 2.5 إلى 3 ملايين عامل مصري في المملكة يعد سلاحًا اقتصاديًا يمثل المصدر الأول للعملة الصعبة للقاهرة. يضاف إلى ذلك الودائع السعودية المليارية (10.3 مليار دولار) واستثمارات صندوق (PIF) في قطاعات الطاقة، وقطاعات الاستهلاك..الخ.
ثانيًا: الانحياز الأمني للمحور السعودي التركي في السودان
يشار هنا إلى أنه في المرحلة التي سبقت اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، كان الموقف المصري يبدو أكثر ميلًا واقترابًا من الكفة السعودية؛ مدفوعًا بمحددات أمنه القومي المباشر في السودان وحماية حدوده الجنوبية من التهديدات الميليشياوية. وقد تجلى هذا التقارب الجيوسياسي في انخراط القاهرة في معادلة تبادل مصالح استراتيجية وثلاثية جمعتها مع الرياض وأنقرة لدعم مؤسسات الدولة والجيش النظامي السوداني ؛ حيث رصدت التقارير الدولية (مثل رويترز وكردستان 24) مؤشرات هذا التنسيق العالي، والذي تمثل في نشر واستخدام طائرات مسيرة (درونات) تركيّة انطلاقًا من القواعد العسكرية المصرية المتاخمة للحدود لضرب تمركزات قوات الدعم السريع وتضييق الخناق عليها.
في تلك الفترة الممتدة حتى مطلع عام 2026، بدت القاهرة أقرب إلى تبني الموقف القومي الخشن الحريص على أمن الدولة ومجالها الحيوي الإقليمي، منه إلى الموقف المصلحي الضيق المرهون فقط بإنقاذ النظام اقتصاديًا عبر الكاش الخليجي. غير أن اشتعال الحرب الإيرانية لاحقًا جاء ليعيد خلط الأوراق بشكل راديكالي؛ مبرزًا تحولًا استراتيجيًا جعل النظام المصري أكثر ميلًا للعب أدوار مغايرة والمناورة فوق التناقضات بمجرد دخول الرافعة المالية الإماراتية على خط الأزمة.
وبالرغم من ذلك ألغت السعودية اتفاقية لتوريد أسلحة وطائرات باكستانية للجيش السوداني بقيم 1.5 مليار دولار، ويعتبر هذا أحد الانعكاسات المباشرة للحرب على ايران، فيما ذهبت أثيوبيا لقصف الجيش السوداني من أراضيها، وهو ما يعتبر تحولات درامية في الوقت الذي سرب فيه أخبار أن مصر ستنسحب من الآلية الرباعية للسودان وتعود لإحياء مسار جدة، وهو ما يعني مناورة مصرية لاستقطاب السعودية لتدعيم موقفها في السودان مقابل الامارات.
ثالثًا: محددات الموقف المصري في الوضع الحالي
حافظت مصر على موقف حذر لضمان دورها كوسيط؛ فتجنبت إدانة واشنطن وتل أبيب، بينما صعدت إدانتها لهجمات إيران لاحقًا بضغط من حلفائها الخليجيين (عماد اقتصادها). ولاحتواء غضبهم أجرى الرئيس السيسي جولات تضامنية للإمارات، السعودية، قطر، والبحرين.
كبد الصراع مصر مليارات الدولارات، أبرزها خسارة قناة السويس 10 مليارات دولار منذ 7 أكتوبر 2023 بسبب الحوثيين. تزامن ذلك مع تضرر السياحة، تأخر تحويلات الخليج، توقف الغاز الإسرائيلي، تراجع الجنيه، وارتفاع الوقود. كما واجه الزراعيون تهديدًا بحصار مضيق هرمز (ممر ثلث واردات الأسمدة لمصر)، مما أجبر القاهرة على تدابير طوارئ (خفض الطاقة وقيود على الاستيراد).
تعتبر القاهرة إسرائيل (ومخططاتها لتهجير الفلسطينيين لسيناء) التهديد الأكبر لأمنها، وتراها أخطر من التهديد الإيراني غير المباشر. لذا تفضل إنهاء الحرب دون نصر حاسم لأي طرف للحفاظ على التعددية القطبية، مستفيدة من إيران كموازن لردع إسرائيل.
الرباعية العربية-الإسلامية: انخرطت مصر في آلية رباعية (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) عبر اجتماعات في الرياض، إسلام آباد، وأنطاليا، لمواجهة الهيمنة وتأمين الممرات. يرتكز التحالف على تكامل فريد: (جيش وسويس مصر، نفط ودين السعودية، دفاع وناتو تركيا، ونووي باكستان)، كبديل صاعد لضعف الجامعة العربية، ومستفيدًا من تجربة مجموعة الثماني.
مقايضة الأمن بالاقتصاد لتثبت لدول الخليج أن دعمهم المالي يقابل بمكاسب أمنية ملموسة، أحيت مصر مقترح القوة العربية المشتركة، والدفع بمنظومة سكاي جارد أمون في الإمارات والكويت وسلطنة عمان. وبالطبع هذه الآلية ضعيفة وهشة تمامًا، هي حالة ولدت في لحظة وراثة إرث إيران في الإقليم، لكن حتى اللحظة لم يتم تحييد إيران.
رغم التوافق الجيوسياسي المصري-السعودي في ملفات كالسودان، أثبتت التطورات الأخيرة أن النظام المصري انحاز عمليًا للجانب الإماراتي، مفضلًا الإنقاذ الاقتصادي الفوري على حساب ثوابت أمنه القومي.
وقد تجلى هذا الانحياز بشكل صارخ في الأسبوع الأول من مايو 2026، حين كشفت زيارة للرئيس المصري للإمارات عن تمركز سرب من مقاتلات رافال المصرية في قاعدة إماراتية. تزامنت هذه الخطوة مع ذروة المواجهة العسكرية بين الإمارات وإيران، والتي دفعت أبوظبي لتقييد رحلات الطيران وتفعيل إشعارات ملاحية (NOTAMs) إثر تعرضها لهجمات.
رابعًا: التناقض الجيوسياسي ومخاطر الانكشاف العملياتي
وضع هذا التدخل العسكري مصر أمام مفارقات استراتيجية وتقنية خطيرة، أبرزها:
- تجاهلت القاهرة تهديدات وجودية مباشرة على حدودها؛ كحرب الإبادة في غزة وتجاوزات إسرائيل في محور صلاح الدين -فلادلفيا- شرقًا، والفوضى في السودان جنوبًا . وفي مقابل هذا الصمت تجاه الحدود المباشرة، أرسلت مصر قوة ضاربة (تمثل 20-30% من أسطول الرافال النشط) لحماية أجواء حليف اقتصادي في الخليج، مما يؤكد ارتهان القرار السيادي للمتطلبات المالية.
- يمثل تشغيل مقاتلات حساسة في بيئة لا تخضع للسيادة المصرية مجازفة عسكرية غير مسبوقة. تستضيف الإمارات منظومات دفاع جوي أجنبية وإسرائيلية مثل SPYDER وBarak ومنصة Crystal Ball الاستخباراتية. تمركز الرافال هناك يكشف البصمة العملياتية المصرية لهذه الطائرات؛ بما في ذلك أنماط استجابة أنظمة الحرب الإلكترونية (SPECTRA) وتكتيكات الطيارين. هذه البيانات ستغذي مكتبات التهديد (Threat Libraries) للخصوم، مما يجرد سلاح الجو المصري من عنصر المفاجأة ويفقده استقلاليته التقنية في أي مواجهة مستقبلية.
لقد أثبتت العاصفة الخليجية أن استراتيجية الاعتماد المفرط على الكاش الإماراتي لم تسلب مصر أصولها الاستراتيجية فحسب، بل جردتها من استقلالية قرارها العسكري، وحولتها إلى أداة وظيفية في مشروع الشبكات الإماراتي، حتى وإن كان الثمن التفريط في أسرارها العسكرية وأمنها القومي المباشر.
الخاتمة
في نهاية المطاف تبدو مصر في عام 2026 وكأنها تسير على حبل مشدود يوشك على الانقطاع، مفرطةً في بوصلة أمنها القومي التاريخي لصالح مكاسب مالية آنية تهدف لاستقرار النظام السياسي العسكري. طوال السنوات الماضية حاولت الإدارة المصرية اللعب على كل التناقضات الإقليمية للحفاظ على استقرارها، وقد حاولت تكرار سلوكها ذاته في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث حاولت القاهرة إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، بينما سعت جاهدة لعدم اتخاذ أي مواقف راديكالية تغضب واشنطن أو تل أبيب.
لكن هذا التوازن المتخيل انهار تمامًا وكشف عن تناقض استراتيجي صارخ سيؤدي حتمًا إلى عدم قبول سعودي وربما رفض غير مسبوق تجاه القاهرة. تتجلى هذه الازدواجية في مقارنة الموقف المصري الأخير بالتخاذل التاريخي تجاه الرياض؛ فقد امتنعت مصر سابقًا عن تقديم التزام عسكري حقيقي لدعم السعودية في مستنقع اليمن، بل وتراخت بشكل يثير الاستغراب عن الانخراط في أي جهد عسكري أو تحالف رادع ضد الحوثيين في البحر الأحمر إبان طوفان الأقصى، رغم أن هجماتهم شلت حركة الملاحة وضربت شريان حياة الاقتصاد المصري (قناة السويس) في مقتل. تذرعت القاهرة حينها بـ الحكمة وتجنب التصعيد.
ولكن المفارقة الفجة ظهرت بمجرد أن دق ناقوس الخطر في أبوظبي. ففي الوقت الذي خاضت فيه الإمارات مواجهة عسكرية مباشرة وهجمات متبادلة مع إيران، سارعت القاهرة لتقديم ما بخلت به على أمنها القومي وأمن الرياض. نشرت مصر مفرزة من مقاتلات الرافال السيادية في الإمارات في ذروة هذا الصراع. هذا يعني أن مصر تخلت عن كل ادعاءاتها بـ الابتعاد عن المحاور، وانخرطت عمليًا كدرع عسكري لحماية الدولة الميركانتيلية الإماراتية التي تقصف وتقصف من إيران.
هذه المقامرة المصرية تحمل رسالة كارثية للرياض، مفادها أن القاهرة مستعدة لتأجير قوتها الصلبة وتجاوز خطوطها الحمراء العسكرية حصرًا لمن يمتلك مفاتيح الإنقاذ المالي السريع وصفقات الاستحواذ، متجاهلة عقودًا من التنسيق الاستراتيجي والودائع المليارية السعودية.
بناءً على ذلك فإن مصر مقبلة على دفع أثمان جيوسياسية باهظة؛ فقد وضعت نفسها في مرمى غضب المؤسسة السعودية التي قد لا تتردد لاحقًا في تفعيل أوراق ضغطها الخشنة (مثل ورقة العمالة أو سحب الودائع). في المحصلة رضيت القاهرة في خضم هذا التنافس الخليجي بأن تتحول من قوة المركز الإقليمي إلى مجرد أداة وظيفية تعمل لحساب حماية البنية اللوجستية الإماراتية، لتفقد بذلك هيبتها كحليف موثوق به، وتخاطر بأمنها القومي على مذبح الديون والأزمات الاقتصادية.
إلا أن الموقف ينذر بانهيار اللحظة الخليجية بالصراع بين مكوناتها، لكن النتيجة حتمًا لن تكون ايجابية، بقدر ما هو مزيد من الفوضى والتفكك والتشظي في العالمين العربي والإسلامي.
[1] مصطلح يعبر عن الدولة التي تعتمد على الكتلة الحرجة (المساحة الجغرافية الشاسعة، الديموغرافيا، والعمق الاستراتيجي، المكانة الدينية في حالة السعودية، وفرة الموارد) لتكون المرساة أو صمام الأمان الذي يمنع الإقليم من الانهيار، والحقيقة ان هذا الدور عادة ما تلعبه مصر لكن السعودية استطاعت بفائض مالي ضخم أن تكون حاضرة على حساب مصر التي هزمت في المواجهة مع اسرائيل وتنازلت عنه طواعية لتحاول ملئه السعودية.
[2] نقصد به الدولة السائلة التي تتجاوز المفهوم الكلاسيكي للحدود، ولا تمانع في استخدام الفاعلين من غير الدول كالميليشيات، والشركات الأمنية، والوكلاء العابرين للحدود لتحقيق مصالحها.