مدونة ميدان 17 مارس 2026

ميدان بين مرحلتين

بقلم: الأستاذ رضا فهمي
رئيس المكتب السياسي لحركة ميدان
في الوقت الذي تنشغل فيه حركة ميدان بمشاركة خمس مؤسسات وطنية مصرية أخرى بالتحضير لمؤتمرها الوطني الأول، الذي يناقش ترتيبات اليوم التالي ما بعد السيسي، ويطرح الإجابات عن الأسئلة الحرجة والمسكوت عنها، وتسعى الحركة وشركاؤها  إلى بناء تصور واضح يضمن انتقالًا آمنًا وسلسًا للسلطة في مصر.
ويتركز النقاش داخل هذا المؤتمر حول ثمانية عناوين كبرى تمس مفاصل الدولة الأساسية، وهي: النظام السياسي، والقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، والاقتصاد المصري، والجهاز القضائي، ووسائل الإعلام، والسياسة الخارجية، وملف سيناء.
ومن خلال هذه الأوراق مجتمعة تتشكل صورة أقرب إلى الواقع عن حقيقة الأوضاع في مصر، إلى جانب طرح مقترحات عملية لمعالجة الأزمات المتراكمة، خاصة القضايا العاجلة والضرورية التي ستواجه أي مرحلة انتقالية.
في المقابل، يبدو النظام المصري — الغارق في بحر من الأزمات الاقتصادية والسياسية — منشغلًا بحشد أدواته الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية لتشويه صورة معارضيه بأساليب مبتذلة تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية. وقد أدى هذا النهج إلى تعرضه لانتقادات واسعة، ليس فقط من خصومه، بل حتى من بعض مناصريه ومن داخل حاضنته الشعبية التي بدأت تتآكل تدريجيًا نتيجة سوء إدارته لموارد الدولة.
فبدلًا من السعي إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، يدخل النظام في حالة صراع مفتوح مع المجتمع، بينما يشاهد الناس إنفاق المليارات على أعمال درامية عديمة القيمة، في وقت يعاني فيه المواطنون من موجات غلاء غير مسبوقة تطال مختلف السلع الأساسية.

ميدان بين مرحلتين

يمكن النظر إلى العلاقة بين حركة ميدان والنظام بوصفها علاقة مرت بمرحلتين واضحتين: مرحلة ما قبل الإعلان الرسمي للحركة، ثم مرحلة ما بعد ظهورها العلني.

المرحلة الأولى: الحرب الباردة

امتدت هذه المرحلة قرابة خمس سنوات، وكانت أشبه بحالة من الحرب الباردة. ففي تلك الفترة كانت أدوات النظام تتحرك على هيئة موجات عدائية متكررة، لكنها في جوهرها كانت ردود أفعال على مبادرات صادرة عن ميدان.
فكلما نظمت الحركة فعالية أو مؤتمرًا، سارعت أدوات النظام إلى مهاجمة الحدث من كل زاوية ممكنة: زمانه ومكانه، والشخصيات المشاركة فيه، والمحتوى المطروح خلاله، بل وحتى الجهة المنظمة ورموزها.
وعلى الرغم من أن الحركة لم تكن قد أعلنت عن نفسها رسميًا في تلك المرحلة، فإن النظام — من حيث لا يدري — قدّم لها خدمة سياسية كبيرة. فالهجمات الإعلامية المتكررة أسهمت في ترميز قيادات ميدان ورموزها، وقدمتها للرأي العام باعتبارها مصدر إزعاج حقيقي للنظام.
وهكذا تحولت ميدان — في نظر كثيرين — إلى ظاهرة تستحق المتابعة، وأصبح من لم يكن يعرفها من قبل أكثر فضولًا لمعرفة من هم هؤلاء الذين نجحوا في إزعاج النظام إلى هذا الحد.
والحقيقة أن هذه الخدمة الإعلامية المجانية لم تكن قدرات الحركة المادية أو البشرية تسمح بتحقيقها بهذا الاتساع. لكن يبدو أن النظام نفسه تولى — دون قصد — مهمة التعريف بها.
المرحلة الثانية: ما بعد الإعلان
مع الإعلان الرسمي عن ميدان في حملة الإطلاق التي انطلقت في إبريل الماضي، دخلت العلاقة بين الحركة والنظام مرحلة جديدة.
فقد طرحت الحركة مشروعها الفكري، ثم مشروعها السياسي، وصولًا إلى إصدار الوثيقة السياسية التي أعلنت بوضوح أن ميدان ترى نفسها بديلًا سياسيًا للنظام القائم.
كما وجهت الحركة رسائل سياسية مباشرة إلى الأطراف المؤثرة داخل منظومة الحكم، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والقضاء، ورجال الأعمال، والمؤسسة الدينية.
ولم يقتصر الأمر على الشعارات السياسية، بل قدمت الحركة تصورات عملية لمعالجة عدد من الملفات الحساسة، مثل الاقتصاد، والعلاقات المدنية العسكرية، والأمن القومي، والسياسة الخارجية، والتعليم، والصحة، والتماسك المجتمعي.
قلق النظام
بحسب ما نقلته شخصيات محسوبة على النظام، فقد نظر الأخير إلى ميدان باعتبارها ظاهرة مختلفة عن بقية معارضيه. ومع مرور الوقت بدأ القلق يتسلل إلى دوائر صنع القرار.
فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره مجرد “شرذمة قليلة”، بدأ يتحول تدريجيًا إلى تيار سياسي متنامٍ يجذب شريحة من الشباب المثقف، ممن تلقوا تعليمًا عالي الجودة في مجالات مختلفة.
وقد ظهر هذا التعاطف مع مشروع ميدان في الداخل والخارج على السواء، حتى أصبحت الحركة بالنسبة للبعض إطارًا سياسيًا يمكن أن تتجمع حوله آمال التغيير.
حركة شبابية
أحد أهم عناصر قوة ميدان أنها حركة شبابية في الأساس. فمعظم قياداتها ينتمون إلى الفئة العمرية الممتدة من أواخر العشرينات إلى أوائل الأربعينات.
وهذا ما يجعلها أقرب بطبيعتها إلى الأجيال الجديدة، خاصة جيل زد وجيل الألفية، لأنها نشأت داخل البيئة الثقافية والاجتماعية نفسها التي تشكل وعي هذه الأجيال.
ولهذا نشأت حالة من الكيمياء المشتركة بين الحركة وهذه الأجيال، التي ترى فيها إطارًا أقرب إلى لغتها واهتماماتها وطموحاتها.
محاولات التنميط
مع بداية مرحلة الإطلاق حاول النظام ربط ميدان بالعنف عبر إدراجها ضمن خطاب إعلامي يجمع بينها وبين جماعات أخرى مثل الإخوان أو حركة حسم.
لكن هذه المحاولة واجهت صعوبة كبيرة، بعد أن أصبح خطاب الحركة السياسي وأدبياتها متاحين للرأي العام، حيث اتسمت لغتها بالرصانة، ومعالجتها للقضايا بالمنهجية والموضوعية.
الدراما كأداة سياسية
في هذا السياق لجأ النظام إلى توظيف الدراما التلفزيونية ضمن أدواته الدعائية. غير أن النتيجة جاءت في كثير من الأحيان عكسية.
فبدلًا من تشويه صورة بعض الشخصيات المعارضة، دفعت هذه الأعمال قطاعات من الجمهور إلى التعاطف معها، بل وإلى البحث عن تاريخها وسيرتها.
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا السياق يحيى موسى ومحمد منتصر، اللذان أصبحا بالنسبة لكثير من الشباب رمزين سياسيين يستحقان الاهتمام.
الترميز… وخدمة النظام
كانت ميدان تمتلك مسارًا تنظيميًا يسمى الترميز، يهدف إلى إبراز رموز الحركة سياسيًا وإعلاميًا. لكن مع مرور الوقت بدا أن النظام نفسه يتولى هذه المهمة — من حيث لا يقصد — عبر حملاته الإعلامية المتكررة.
وهكذا وجد ملايين الشباب أنفسهم يتعرفون إلى هذه الأسماء عبر خطاب النظام ذاته.
ولذلك يمكن القول — دون مبالغة — إن النظام قدّم للحركة واحدة من أكبر خدماتها الإعلامية.
رسائل غير معلنة
المفارقة أن النظام، بينما يواصل حملات التشويه في العلن، لا يتوقف في الوقت نفسه عن إرسال رسائل غير مباشرة عبر وسطاء من خلفيات مختلفة: إعلامية وأكاديمية وأمنية.
وغالبية هذه الرسائل تدور حول استكشاف الحركة وجمع المعلومات عنها، مع محاولة فهم طبيعة علاقاتها داخل مؤسسات الدولة.
هواجس النظام
تشير هذه الرسائل إلى مجموعة من الهواجس التي تشغل دوائر الحكم، أبرزها:
•القلق من خطاب الحركة تجاه المؤسسة العسكرية.
•الاعتقاد بوجود دعم فني وتقني للحركة من خارج البلاد.
•دور الحركة في تسليط الضوء على الموقف المصري المتواطئ في الحرب على غزة.
•الربط بين أي تهدئة محتملة من طرف ميدان  وبين ملف المعتقلين السياسيين.
•التخوف من سيناريو الفوضى أو ما يسمى “خيار شمشون”.
لكن السؤال الأكثر تكرارًا في كل هذه الرسائل يبقى واحدًا:
ما طبيعة علاقات ميدان داخل مؤسسات الدولة؟ وكم منها داخل الخدمة وكم منها خارجها؟
وهو السؤال الذي يبدو أنه يشغل النظام أكثر من أي شيء آخر.